كشف تحقيق لمنصة «صحيح مصر»، أن شركات مرتبطة برجل الأعمال إبراهيم العرجاني واجهت اتهامات بفرض ترتيبات مالية على إدخال البضائع والوقود إلى قطاع غزة، فيما قدّرت غرفة تجارة وصناعة غزة المدفوع بأكثر من ملياري دولار حتى 26 يوليو 2026، بما انعكس على الأسعار والخدمات الأساسية.

 

وتضع هذه الاتهامات سكان غزة، الذين يعيشون الحصار والحرب منذ أكتوبر 2023، أمام طبقة إضافية من القهر: إذ لا تقتصر المعاناة على القيود العسكرية والدمار، بل تمتد إلى تكلفة البقاء نفسها عندما تتحول المساعدات والسلع الضرورية إلى مجال للجباية والاحتكار.

 

 

وقود غزة بين الاحتكار

 

يرصد التحقيق اتهامات لشركة «أبناء سيناء» المرتبطة بالعرجاني بالتحكم في مرور الشحنات التجارية وبيع الوقود داخل القطاع، بالتنسيق مع جهات مصرية وصهيونية، بحسب شهادات ميدانية ومصادر نقلها التقرير.

 

ويقول ناهض شحيبر، رئيس جمعية النقل الخاص في غزة، إن لتر السولار يُشترى من الجانب الصهيوني بنحو 6 شواكل، ثم يُباع للشاحنات داخل غزة بأسعار تتراوح بين 33 و60 شيكلًا.

 

ويكشف هذا الفارق، إذا صحّت الأرقام الواردة، عن هامش ربح استثنائي في سلعة لا يملك القطاع بديلًا عمليًا عنها، ويجعل حركة الشاحنات رهينة لأسعار تتجاوز بكثير كلفة الشراء الأصلية.

 

وأضاف شحيبر أن سعر لتر البنزين عبر الشركة نفسها يصل إلى 80 شيكلًا، في حين يتراوح سعر السولار داخل الكيان المحتل بين 4 و7 شواكل، بما يعكس فجوة سعرية حادة يدفع ثمنها سكان القطاع.

 

ولا يقتصر أثر الوقود على النقل التجاري، إذ تعتمد عليه المولدات الكهربائية، ومحطات ضخ المياه، وسيارات الإسعاف، وسائر الخدمات التي تنهار تدريجيًا كلما شحّ السولار أو ارتفعت كلفته.

 

وحذّر علاء الدين البطة، رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، من «كارثة صحية وبيئية وشيكة» نتيجة شح المياه واستمرار قيود إدخال الوقود اللازم للمرافق الحيوية.

 

وتحمل شهادة البطة بُعدًا فنيًا واضحًا: فالوقود في غزة ليس سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل شرط مباشر لتوفير مياه الشرب والصرف الصحي والحد الأدنى من الاستقرار الصحي.

 

كما تسببت أسعار زيت المحركات، وفق المادة المرسلة، في رفع كلفة تشغيل الشاحنة إلى آلاف الدولارات، وهو ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من الشاحنات من الخدمة وتعطيل قدرة السوق على الحركة.

 

 

 

رسوم تنسيق بلا رقابة

 

تقول المادة إن ما يُعرف بـ«تنسيقات البضائع» يشمل الشحن والتفريغ والتأمين والتصاريح منذ انطلاق الشاحنات من العريش، في ترتيبات وُصفت بأنها إلزامية على التجار والجهات التي تسعى لإدخال السلع.

 

وتشير الوثائق المتداولة التي أوردها التحقيق إلى رسوم تصل إلى 300 ألف دولار لشاحنة الأدوية، و100 ألف دولار للملابس، و90 ألف دولار للمجمدات.

 

كما تتراوح الرسوم، بحسب قائمة أسعار أبريل المشار إليها، بين 30 و75 ألف دولار لسلع مثل القهوة والبيض والمنظفات والأرز، وهي أرقام تضع تكلفة التنسيق فوق قدرة التجارة الطبيعية في منطقة منكوبة.

 

وأعلنت غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة أن أكثر من ملياري دولار دُفع قسرًا بموجب تلك الترتيبات لإدخال البضائع التجارية منذ اندلاع الحرب وحتى 26 يوليو 2026.

 

ووصف مصدر مسؤول في اللجنة الاقتصادية للغرفة الرقم بأنه تقدير محافظ وحد أدنى، استنادًا إلى تحليل حركة الشاحنات وكلفة تنسيق الأصناف المختلفة، وفق ما ورد في المادة.

 

ويعني ذلك أن كلفة الجباية لا تبقى محصورة في التاجر أو شركة النقل، بل تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك الفلسطيني الذي يشتري حاجته اليومية في سوق تحكمه الندرة والخوف.

 

وطالبت جمعية النقل الخاص بالسماح بإدخال البضائع مباشرة عبر التجار وبصورة قانونية، ورفع الاحتكار عن الوقود وقطع الغيار، لتخفيض الكلفة التي تُحمّل في النهاية على المواطنين.

 

وفي شهادة منسوبة لضابط سابق عمل في «إيتوس» تحت اسم مستعار هو محمود عباس، توزعت الأدوار بين تأمين الشحنات وجدولة التفتيش ونقل المساعدات من مخازن العريش إلى معبر كرم أبو سالم.

 

وتفيد المادة كذلك بأن أفرادًا من مؤسسة الوسيم ومن قبيلة الترابين يشاركون في مرافقة الشحنات وتصنيفها ونقلها وتخزينها وتفريغها، وهي ادعاءات تستلزم تحقيقًا مستقلاً يحدد المسؤوليات القانونية بدقة.

 

 

مساعدات تتحول إلى تجارة

 

كما أفاد تقرير لموقع «ميدل إست آي»، بحسب ما ورد في المادة، بأن مؤسسة خيرية دولية دفعت 5000 دولار عن كل شاحنة إغاثة تدخل غزة لصالح شركة مرتبطة بمجموعة العرجاني.

 

وتثير هذه الرواية سؤالًا جوهريًا حول معنى الإغاثة في زمن الحرب: كيف تتحول الشاحنة المحملة بالمساعدات إلى مصدر رسوم، بينما ينتظر المدنيون الغذاء والدواء والماء تحت القصف والحصار؟

 

كما خلص تحقيق لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد «OCCRP»، وفق المادة، إلى اتهامات لوسطاء وشركات مرتبطة بالعرجاني ببيع تصاريح الخروج من غزة بأسعار تراوحت بين 4500 و10000 دولار للفلسطينيين.

 

ويكشف التحقيق أن أسعار خروج المصريين تراوحت بين 650 و1200 دولار، في حين نُسبت إلى شركات منها «هلا للاستشارات والسياحة» و«مصر سيناء» أدوار في تلك الترتيبات.

 

وتضيف شهادات وثقتها مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان أن مواطنين دفعوا مبالغ إضافية لموظفين في مقر «هلا» بمدينة نصر لتجاوز قوائم الانتظار أو تعديل ترتيب الأسماء.

 

وتشير شهادة منسوبة إلى مواطن باسم أبو فارس إلى أنه اضطر للاستدانة لدفع مبالغ خارج التكلفة الأساسية لإنقاذ أفراد عائلته، وهي رواية تكشف كيف يمكن أن يتحول الحق في النجاة إلى امتياز لمن يملك المال.

 

كما أوردت المادة تحقيق لمنصة Gaza24Live بشأن شبكات لإدخال هواتف وأجهزة حديثة إلى غزة عبر تنسيقات تتجاوز، بحسب المنصة، 200 ألف دولار للشاحنة، مع مخاوف من استخدام أجهزة قابلة للاختراق.

 

لكن حجم الأرقام والشهادات المطروحة يفرض سؤال المحاسبة: من يراقب مسارات الإغاثة والتجارة، ومن يمنع تحويل الجوع والدواء والوقود وحق الخروج من غزة إلى أبواب ربح استثنائي؟