معن البياري

رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن

 

فوجئ ياسر عرفات بأنور السادات يقول، في حضوره، في مجلس الشعب المصري، إنه على أتم الاستعداد للذهاب إلى آخر مكان في العالم، إلى "بيتهم" في إسرائيل، ويلقي كلمةً في الكنيست، من أجل السلام. صفّق عرفات، كما عموم الحاضرين، ثم سأل صديقه وزير الخارجية المصري، إسماعيل فهمي، مستنكرًا ومتبرّمًا، ما إذا كان قد دُعي إلى تلك الجلسة في البرلمان ليسمع هذا الكلام، فأجابه الرجل بأن هذا لم يكن مقرّرًا، لكنه لم يعرِف كيف يوضح لسائله ما جرى. لقد بدا أن السادات، في ذلك اليوم الانعطافي (7/11/1977)، أراد توريط زعيم القضية الفلسطينية في مسارٍ كان ينوي تدشينَه، عنوانُه مماشاة إسرائيل والسلام معها عساها تعيد للعرب أراضيهم التي تحتّلها..

 

حدثت تلك الواقعة، أيامًا قبل زيارة السادات إياها القدس المحتلة، وسنواتٍ بعد إشاعة حركة فتح أطروحتها "التوريط الواعي" للأنظمة العربية، عندما ستجد هذه نفسَها مدفوعةً إلى أن تسند عسكريًا المقاومة الفلسطينية التي تخوض الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. غير أن الذي حدث أن هذه الأنظمة استنكفت عن هذا، قبل فعلة السادات المشهودة وصولًا إلى مكالمات رئيس الموساد رومان غوفمان الهاتفية مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الأسبوع الماضي، فوحدها افتتاحياتُ الصحف في سورية الأسد كانت تُشهِر الانتصار لأي رصاصٍ فلسطينيٍّ ضد إسرائيل، فيما سجون حافظ الأسد كانت تفيض بآلاف المقاومين الفلسطينيين، بتهمة عرفاتيّتهم وبغيرها.

 

ولا يعني التذكير بسورية تلك أن النوم كان يجافي الحاكمين في جوارها إذا لم يساهموا بقسطهم اليومي في نصرة المقاومين الفلسطينيين، في الأرض المحتلة وسواها، وإنْ ثمّة ملابساتٌ لا عدّ لها في هذا الخصوص، منها أن فصائل منظمّة التحرير كانت لها أخطاؤها وخطاياها في لبنان والأردن، ومنها أن الملك حسين الذي واجه تحدّي الفدائيين سلطته في مطالع السبعينيات في الصدام المعلوم نفسُه من استقبل فدائيين وقياداتٍ لهم في قاعدة عسكرية هبطت فيها طائرتهم قادمين من لبنان بعد خروج المقاومة من هناك في أغسطس 1982. وكانت السلطات الأردنية قد أذنت لفتحاويين في سجونها أن يغادروا إلى لبنان إذا أرادوا أن يشاركوا في مواجهة الغزو الإسرائيلي هناك.

 

قصارى القول من استعراض تلك النتف والمقاطع من مشاهد عربية مشرقية فلسطينية أنه كان مدويًا إخفاق نظرية التوريط الواعي، وقد افترضت في نفسها شيئًا من الواقعية في زمن الاستقلالات العربية الناهضة. وقد توازى مع هزائم عربية وفلسطينية تتابعت وتسارعت، حتى إذا صار العُري والانكشاف العربيان، ومنهما الفلسطينيان بوضوحٍ أكبر، بعد كارثة غزو الجيش العراقي الكويت، ثم كارثة الاحتلال الأميركي العراق، وجد عرفات نفسه يذهب إلى "أوسلو"، ليس ولعًا بتسوياتٍ أو تنازلات، ولا تصحيحًا منه لما افترضه بعضهم خطأ فلسطينيًا يوم رُمي الحبيب بورقيبة بالبندورة بعد خطبته في أريحا (1965)، وقد دعا إلى قبول إسرائيل ومسالمتها، وإنما لأن الهزيمة، في عُرفه، لن يكون ممكنًا تفادي ما أمكن من استحقاقاتها المريعة بغير مقامرة تاريخية من هذا النوع، أقلّه لحفظ العنوان الفلسطيني، وليكون هذا العنوان في المتاح من وطنه، في غزّة وأريحا، ثم رام الله إن أمكن.

 

ولكن، لماذا كل السرد، الذي ينتقي ما ينتقيه؟... إنه بمناسبة المستجدّ الفلسطيني، أو الهزيمة المشهودة في غزّة، مرفوقة بسعار استيطاني عدواني عال في الضفة الغربية، بعد حرب إبادة لم يُؤثِر أي نظامٍ عربي، في مصر وغيرها، أن يتورّط واعيًا في محاولة لوقفها، بإعلان العين الحمراء أمام إسرائيل مثلًا. المستجدّ، بعبارة أشد وضوحًا، هو التغيّر الذي تمضي فيه حركة حماس، التي لو استدعينا خطبة أبو عبيدة غداة عملية طوفان الأقصى (مع التشديد في كل وقت على أنها معجزة أبطالٍ فلسطينيين بواسل) ثم دقّقنا في الحال الراهن، لوجدنا المسافة شاسعة، تكاد تماثل المسافة الزمنية بين صدمة عرفات، وهو يسمع أنور السادات قولته تلك عن استعداده للذهاب إلى "بيت" الإسرائيليين، وترتيبات محمد دحلان لتهيئة أفضل السبل لعمل كوشنر وملادينوف ولجنة علي شعث (ما أخبارها؟)، بنزع سلاح "حماس" أولًا وتاليًا وعاشرًا..

 

لا تتغيّر "حماس" شغفًا منها باستسلامٍ أو تنازلٍ أو رغبة منها بتبديل جلدها، وإنما هي تُشهر هزيمة "وحدة الساحات" وازورار الأمتيْن، العربية والإسلامية، عن تنزيل ما ظلّت تُطالبهما به... بدأت، إذن، انعطافةٌ جديدةٌ في مسار الهزيمة الفلسطينية المتدحرجة، والتي تتعدّد أسبابُها، ليس منها أن من حمل السلاح لتحرير فلسطين أخطأ، وإنما لأن "التوريط الواعي" الذي أرادته "حماس"، بعد عقود من قولة "فتح" الأقدم، لم ينفع أيضًا.