وصل قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية طهران، اليوم الاثنين، على رأس وفد رسمي، في زيارة تكتسب أهمية سياسية وإقليمية كبيرة، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وعودة الضغوط الاقتصادية الأميركية على طهران، وسط تهديدات إيرانية بالرد على أي إجراءات تستهدف اقتصادها أو مصالحها وشركائها التجاريين.
وتأتي زيارة منير في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتحرك عدة أطراف إقليمية لاحتواء التصعيد ومنع انتقال المواجهة إلى مرحلة أوسع، بينما تستعد الولايات المتحدة لفرض إجراءات اقتصادية جديدة على إيران وشركائها، في وقت تلوّح فيه طهران بإجراءات مقابلة يمكن أن تؤثر في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز.
اتصال بين عاصم منير وترامب قبل زيارة طهران
وقبل توجهه إلى طهران، أجرى قائد الجيش الباكستاني اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر باكستانية.
ويضيف هذا الاتصال بُعداً مهماً إلى زيارة منير، خصوصاً أن إسلام آباد حاولت خلال الأشهر الماضية القيام بدور الوسيط بين طهران وواشنطن، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين، في محاولة لفتح قنوات اتصال يمكن أن تساعد في خفض التوتر والعودة إلى المفاوضات.
/https://www.instagram.com/reel/Dca8LOAD-DW/
ونقلت رويترز عن أحد المصادر أن الولايات المتحدة طلبت من باكستان استغلال نفوذها وعلاقاتها مع إيران من أجل المساعدة في إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، وهو ما يجعل زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى العاصمة الإيرانية جزءاً من تحرك دبلوماسي أوسع لاحتواء الأزمة.
ويرافق وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الجنرال عاصم منير خلال زيارته إلى طهران، وكان نقوي قد زار إيران في 11 أغسطس/آب الجاري، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وتشير مشاركة نقوي إلى أن الزيارة لا تقتصر على البعد العسكري والأمني، وإنما تحمل أيضاً أبعاداً سياسية ودبلوماسية مرتبطة بالعلاقات الثنائية وبجهود باكستان للاضطلاع بدور في تهدئة التوتر الإقليمي.
لقاءات مرتقبة مع مسؤولين إيرانيين
ومن المنتظر أن يجري الجنرال عاصم منير خلال وجوده في طهران لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، إلى جانب شخصيات مقربة من المرشد الأعلى.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن زيارة قائد الجيش الباكستاني تأتي في إطار تعزيز التعاون الثنائي بين طهران وإسلام آباد، وكذلك استمراراً لما وصفها بالمساعي الباكستانية الحميدة للمساهمة في تعزيز السلام والأمن في المنطقة.
وقال بقائي إن العلاقات الإيرانية الباكستانية تمر حالياً بـ"أفضل مراحلها"، مشيراً إلى وجود إرادة لدى الجانبين لتوسيع التعاون في مختلف المجالات، مستندين إلى الروابط المشتركة بين البلدين.
كما أعلنت دائرة العلاقات العامة للجيش الباكستاني أن زيارة منير تأتي في إطار جهود إسلام آباد الرامية إلى دعم السلام والاستقرار الإقليميين.
باكستان تحاول لعب دور الوسيط
لا تأتي محاولة باكستان الوساطة بين إيران والولايات المتحدة من فراغ، إذ لعبت إسلام آباد خلال الفترة الماضية دوراً في الاتصالات الرامية إلى تخفيف التوتر بين الطرفين
.
وكان بقائي قد قال في مؤتمر صحافي في 17 أغسطس إن قنوات التواصل بين طهران وإسلام آباد لا تزال مفتوحة ومستمرة، مشيراً إلى أن البلدين جاران، وأن باكستان تحاول توظيف قدراتها السياسية للمساعدة في الوساطة بين إيران وواشنطن.
لكن المسؤول الإيراني أشار في الوقت نفسه إلى وجود عقبات أمام جهود الوساطة، متهماً الولايات المتحدة بتكرار ما وصفه بنقض العهود، وقال إن التجارب السابقة في الوساطة، ومنها الدور العُماني، ألحقت أضراراً بآليات التفاوض.
وتسعى إسلام آباد، من خلال تحركاتها الحالية، إلى الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع مختلف أطراف الأزمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى أزمة إقليمية شاملة.
من وقف إطلاق النار إلى عودة التصعيد
ومنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير دخلت باكستان إلى جانب قطر في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، وأسهمت تلك التحركات في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، قبل أن يصل الطرفان لاحقاً إلى مذكرة تفاهم في 18 يونيو.
إلا أن التفاهم لم يصمد سوى 23 يوماً، قبل أن يتخلى الطرفان عن الالتزامات الواردة فيه، وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن خرق التفاهمات.
ومنذ ذلك الوقت، تتواصل جهود الوسطاء الإقليميين لإعادة فتح قنوات الحوار ومنع انهيار الاتصالات السياسية بشكل كامل، في ظل ارتفاع مستوى التصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي.
وتأتي زيارة عاصم منير في هذا السياق تحديداً، إذ يبدو أن إسلام آباد تحاول إعادة تنشيط قنوات الاتصال بين الطرفين، بالتوازي مع تحركات إقليمية أخرى، بينها التحرك العُماني المرتقب.
تحرك عُماني جديد في طهران
ومن المقرر أن يزور وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي طهران غداً الثلاثاء، في إطار استكمال مباحثات تتعلق بالتطورات الإقليمية ومسارات خفض التصعيد.
وتبرز سلطنة عُمان تاريخياً كإحدى القنوات المهمة في الاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما يمنح زيارة البوسعيدي أهمية خاصة، خصوصاً في ظل الحديث عن إنشاء مسار ملاحي جديد في مضيق هرمز.
وتتقاطع التحركات الباكستانية والعُمانية في توقيت حساس للغاية، إذ تحاول عدة عواصم إقليمية منع تطور الأزمة إلى مواجهة أوسع تهدد الملاحة والطاقة والأمن في الخليج.
واشنطن تصعّد اقتصادياً ضد طهران
وتزامنت زيارة منير مع إعلان الولايات المتحدة توجهها نحو تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، عبر حزمة جديدة من العقوبات والإجراءات التي تستهدف الاقتصاد الإيراني، مع تهديد بتوسيع نطاق العقوبات ليشمل شركاء طهران التجاريين.
وتقول واشنطن إن هدف هذه الإجراءات هو زيادة الضغط على إيران ودفعها إلى تغيير سياساتها والعودة إلى طاولة التفاوض، بينما ترى طهران في الإجراءات الأميركية محاولة لفرض شروط عليها من خلال الضغط الاقتصادي.
ووصف مسؤولون أميركيون الحملة المرتقبة بأنها واحدة من أكبر حملات الضغط المالي والاقتصادي على إيران، وهو ما دفع طهران إلى إطلاق تهديدات مضادة.
وحذرت إيران من أن استمرار ما وصفته بالحرب الاقتصادية يمكن أن يدفعها إلى اتخاذ إجراءات تتعلق بصادرات النفط وحركة السفن في الخليج ومضيق هرمز.
طهران تلوّح بمضيق هرمز
ويحظى مضيق هرمز بأهمية استراتيجية بالغة بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
وفي ظل التصعيد الحالي، لوحت طهران بإمكانية اتخاذ إجراءات تؤثر في حركة صادرات النفط من الخليج، كما أصدرت تحذيرات للسفن بشأن المرور في المضيق دون الحصول على تصريح منها.
الصين ترفض سياسة العقوبات
وفي خضم هذا التصعيد، أعلنت الصين موقفها من العقوبات الأميركية الجديدة المرتقبة ضد إيران، مؤكدة أن العقوبات وسياسة الضغط لا تساعدان على حل الأزمات.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن بكين تتابع التطورات عن كثب، داعياً جميع الأطراف إلى التعامل مع الوضع بعقلانية وضبط النفس.
وأكدت الخارجية الصينية أن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة، في إشارة إلى أن أي عقوبات تستهدف شركاء إيران التجاريين قد تضع الصين أمام تحديات إضافية بسبب علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع طهران.
وفي السياق ذاته، حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي من أن الوضع في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وصل مجدداً إلى منعطف حرج.
وخلال لقائه وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح في بكين، دعا وانغ الأطراف المعنية إلى العودة إلى الحوار والمفاوضات في أسرع وقت ممكن.
وأكد أن الأولوية القصوى في المرحلة الحالية هي خفض التصعيد، محذراً من تكرار سيناريو تجدد الصراع.
وأبدت الصين استعدادها لتعزيز التنسيق مع الكويت والاستمرار في الانخراط في الجهود الرامية إلى استعادة السلام والاستقرار في المنطقة.
إيران تهدد قواعد أوروبية
وفي تطور آخر يزيد من حساسية المشهد، وجهت إيران تحذيراً إلى دول أوروبية تستضيف قواعد أو منشآت عسكرية يمكن أن تستخدم، وفق الرواية الإيرانية، في أي عمليات ضدها.
وقال إسماعيل بقائي إن بلاده ستستهدف مصادر أي هجوم عليها، بما في ذلك القواعد والمنشآت العسكرية التابعة لدول أوروبية إذا جرى استخدامها في أعمال عسكرية ضد إيران.
وخص بقائي بلغاريا بالذكر، قائلاً إن إيران رصدت مغادرة طائرات للتزود بالوقود من الأراضي البلغارية، معتبراً أن السماح باستخدام الأراضي أو المنشآت في أعمال عسكرية ضد إيران يمكن أن يجعل تلك الدول، من وجهة نظر طهران، مشاركة في العمليات ضدها.
وتحمل هذه التصريحات رسالة تحذير إلى الدول التي قد تسمح باستخدام قواعدها أو تجهيزاتها العسكرية في أي عمليات ضد إيران، خصوصاً الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وأكد بقائي أن إيران لا تريد، بحسب تصريحاته، أن تكون الدول الأخرى هدفاً لها ما لم تضع إمكاناتها تحت تصرف الأطراف التي تعتبرها طهران معتدية.
طهران ترفض فرض شروط لإنهاء الحرب
وفي الوقت ذاته، جددت الخارجية الإيرانية رفضها لما وصفته بمحاولات فرض شروط لإنهاء الحرب.
وقال بقائي إن إيران لن تقبل أن يحدد الطرف الذي تعتبره طهران معتدياً شروط إنهاء الحرب، مؤكداً أن بلاده، وفق روايتها، لم تبدأ الحرب وإنما تدافع عن سيادتها وسلامة أراضيها.
وشدد على أن مؤسسات الدولة الإيرانية تقف، بحسب قوله، في موقف موحد للدفاع عن البلاد، وأن طهران لن تخضع للمطالب التي تفرض عليها تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي.
https://www.facebook.com/reel/2241406446683878

