توغلت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، الاثنين، في قرية معرية بريف درعا الغربي، بعد أقل من 24 ساعة من توغلها في بلدة الرفيد بالقنيطرة واعتقال راعٍ، لتتحول وعود خفض التصعيد التي نوقشت في الأردن إلى واقع ميداني يثبت أن الاحتلال يفرض شروطه بالسلاح قبل أي تفاهم سياسي.
ولا تقف خطورة التوغل عند خرائط النفوذ وحدها، بل تصل إلى سكان قرى جنوب سوريا الذين يعيشون بين الحواجز والمداهمات والخوف من الاعتقال، بينما تبدو المفاوضات بعيدة عن حماية يومهم العادي أو ضمان أمن أراضيهم.
توغل يسبق اختبار التفاهم الأمني
أفادت القناة السورية الرسمية بأن آليات عسكرية إسرائيلية دخلت قرية معرية في ريف درعا الغربي، في تحرك جديد ضمن سلسلة توغلات متكررة تشهدها المناطق الجنوبية.
وجاء التوغل بعد يوم من دخول قوة إسرائيلية إلى بلدة الرفيد بمحافظة القنيطرة، حيث اعتقلت راعي أغنام، وفق ما نقلته وسائل إعلام سورية رسمية.
ولا تبدو الواقعتان منفصلتين عن نمط متكرر في درعا والقنيطرة، يشمل دهم المنازل، وتفتيش القرى، وإقامة حواجز مؤقتة، واعتقال مدنيين، وتحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة للتحرك العسكري الإسرائيلي.
والأخطر أن التوغل في معرية جاء مباشرة بعد اجتماع سوري إسرائيلي في الأردن، برئاسة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وبوساطة أمريكية، هدفه المعلن خفض التصعيد.
وقالت دمشق إن الاجتماع بحث آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، إلى جانب إحياء المفاوضات من أجل اتفاق أمني أوسع.
لكن دخول القوات الإسرائيلية إلى معرية بعد ساعات من الاجتماع يطرح سؤالًا مباشرًا: ما قيمة البحث عن آليات لوقف الاعتداءات إذا كانت القوات تواصل عملياتها على الأرض من دون انتظار نتائج المباحثات؟.
وسبق اللقاء قصف إسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في إدلب فجر 18 أغسطس، حيث قالت دمشق إن الغارات ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للقاعدة، فيما أعلنت إسرائيل أنها تستهدف منع انتشار عسكري تركي محتمل.
وبذلك، لم تقتصر الضغوط الإسرائيلية على الجنوب الحدودي، بل امتدت إلى منشأة عسكرية في شمال غربي سوريا، في رسالة مفادها أن تل أبيب تمنح نفسها حق التدخل في كل ما تراه متعلقًا بأمنها، حتى خارج مناطق التماس المباشر.
ويحذر خبير الشأن السوري ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، جوشوا لانديس، من أن إسرائيل تستفيد من فارق القوة مع دمشق وقد تسعى إلى ترتيبات اتصال وأمن تمنحها مكاسب عملية من دون تقديم تنازل حقيقي في المقابل.
واشنطن تراقب بينما السيادة تتآكل
تحتل إسرائيل معظم مساحة الجولان السوري منذ عام 1967، ثم وسعت وجودها داخل المنطقة العازلة ومواقع سورية أخرى بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وتطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل ديسمبر 2024، وإعادة العمل باتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، باعتبارها الحد الأدنى لاستعادة السيطرة على الجنوب.
لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الاحتلال لا يتعامل مع الانسحاب كالتزام سابق للتفاوض، بل كأحد الملفات التي يريد ربطها بشروط أمنية جديدة يفرضها من موقع القوة.
فالحديث عن اتفاق أمني لا يمكن عزله عن استمرار الغارات والتوغلات والاعتقالات؛ إذ يصبح التفاوض في هذه الحالة مسارًا يجري تحت ضغط القوة لا بين طرفين متكافئين.
وتحاول الولايات المتحدة لعب دور الوسيط، لكنها لم تمنع الغارات الأخيرة ولا التوغلات الجديدة، ما يثير شكوكًا حول قدرة الوساطة الأمريكية على إلزام إسرائيل بوقف أفعالها الأحادية.
ويرى البروفيسور ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة سميث والباحث غير المقيم في معهد بروكينغز، أن أي اتفاق أمني يحتاج مراقبة وضمانات واضحة، محذرًا من أن استمرار إسرائيل في التحرك المنفرد قد يؤدي إلى انهيار أي تفاهم قبل تنفيذه.
كما يشير الباحث الأمريكي ديفيد شينكر، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية، إلى أن المقاربة العسكرية الإسرائيلية في سوريا لم تنتج حتى الآن نظامًا حدوديًا مستقرًا، وأن استمرارها يقوّض حتى احتمال التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء محدود.
وفي ظل هذا التناقض، تبدو واشنطن أمام اختبار سياسي: إما أن تتحول وساطتها إلى ضغط فعلي لوقف التوغلات، أو تبقى مجرد غطاء لمفاوضات تتقدم فيها إسرائيل ميدانيًا بينما تطلب من دمشق التزامات إضافية.
الأهالي يدفعون ثمن الغموض السياسي
في القرى الحدودية، لا تُقاس الأزمة بلغة البيانات الدبلوماسية، بل بقدرة الناس على الحركة في أراضيهم، ورعي ماشيتهم، والعودة إلى بيوتهم دون مواجهة مركبات عسكرية أو نقاط تفتيش مفاجئة.
واعتقال راعٍ في الرفيد يوضح الطابع الإنساني للتوغلات؛ فالمواطن العادي يصبح الطرف الأكثر هشاشة في معادلة أمنية لا يملك أدوات التأثير فيها.
كما أن التوغل في معرية يضاعف قلق المزارعين والأسر القاطنة قرب الطرق والمواقع العسكرية، لأن أي تحرك جديد قد يرافقه تفتيش أو احتجاز أو تعطيل للحياة اليومية.
ولم تعلن إسرائيل، حتى الآن، تفاصيل محددة تبرر التوغل في معرية أو اعتقال الراعي في الرفيد، بينما تؤكد دمشق أن ما يجري يمثل اعتداءً على السيادة وخرقًا للقانون الدولي.
ولا يكفي أن ترفع إسرائيل شعار «الأمن» لتبرير تحويل قرى مأهولة إلى مناطق عسكرية مفتوحة؛ فالأمن الذي يقوم على اقتحام أراضي الغير واعتقال المدنيين لا يصنع استقرارًا، بل يراكم الغضب والخوف.
ويقول مدير مركز جسور للدراسات محمد سرميني إن أي اتفاق أمني لا يعالج جذور الصراع ولا يحفظ السيادة السورية قد يواجه مقاومة محلية، لأن المجتمعات في الجنوب لن تقبل ترتيبات تشعرها بأن أرضها أصبحت ساحة نفوذ دائم.
ولهذا فإن نجاح أي تفاهم لا يرتبط فقط بتوقيع مسؤولين في عاصمة وسيطة، بل بانسحاب واضح، وضمانات دولية قابلة للتنفيذ، ووقف فوري للغارات والاعتقالات والتوغلات.
كما يحتاج الجنوب السوري إلى حماية مدنية حقيقية، تشمل منع استهداف السكان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم استخدام القرى الحدودية أوراقًا تفاوضية بين القوى الإقليمية.
أما استمرار التوغل بعد اجتماعات خفض التصعيد، فيكشف أن المفاوضات الحالية لم تغيّر حتى الآن قاعدة العلاقة على الأرض: إسرائيل تتحرك متى تشاء، ودمشق تلاحق الانتهاك بالبيانات والاتصالات.
وحتى يتحول التفاوض إلى مسار يحمي السوريين لا إلى غطاء لإدارة الاحتلال، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الوساطة الأمريكية فرض وقف فعلي للاعتداءات، أم أن جنوب سوريا سيظل يدفع ثمن اتفاق أمني يُناقش فوق أرضه من دون أن يعيد إليه سيادته؟

