تكشف أزمات المياه والكهرباء والصرف والزراعة والصحة في أسوان أن المحافظة والحكومة أخفقتا في إدارة 5 خدمات أساسية، بعدما تحولت أعطال الشبكات ونقص الكوادر والمدخلات إلى معاناة يومية تمتد من إدفو إلى مناطق السيل.

 

ولا يتعلق الأمر بعطل عابر في مدينة نائية، بل بحقوق عائلات تضطر إلى حمل المياه أو انتظار سياراتها، ومزارعين يطاردون السماد، ومرضى يقطعون مسافات طويلة، بينما تُستبدل الإدارة الوقائية بوعود تتكرر بعد كل أزمة.

 

 

مياه بلا استقرار

 

تؤكد الوقائع المتتابعة أن خدمة المياه في أسوان تُدار بمنطق رد الفعل، إذ لا تظهر خطط الإحلال والصيانة للمواطن إلا عقب كسر أو تسريب، ثم يعود السؤال نفسه مع كل انقطاع عن جاهزية الخطوط والمحطات.

 

وشهدت مدينة إدفو انقطاعًا كاملًا للمياه بسبب تسريب في خط رئيسي وصل أثره إلى غرفة المحولات والكابلات بمحطة المياه الجديدة، بما استدعى قطع الخدمة خشية الخطر على العاملين والمنشآت.

 

وتتجاوز المشكلة واقعة إدفو، إذ تصاعدت شكاوى من قرى وادي عبادي والنزل ومعروف وكلح الجبل بسبب ضعف الضخ والانقطاع، ما أجبر أسرًا على حمل الجراكن وانتظار سيارات المياه بدل وصولها بصورة منتظمة إلى المنازل.

 

ويكشف تكرار الأعطال أن المشكلة ليست نقصًا في البلاغات، بل غياب قاعدة بيانات علنية تحدد أعمار الخطوط وقدرات المحطات ومواعيد صيانتها، بحيث يعرف المواطن مسبقًا أين تنتهي الوعود ويبدأ خطر الانقطاع.

 

ويطرح المهندس رفعت إسماعيل، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، رؤية تشغيلية تقوم على توفير العمالة والمعدات والطاقة والمعامل ورفع كفاءة الصيانة، وهي عناصر تقر الشركة نفسها بأنها ضرورية لاستدامة تشغيل المشروعات.

 

لكن هذه الرؤية تظل بلا أثر كافٍ ما لم تتحول إلى برنامج معلن بنتائج قابلة للقياس، لأن القرى لا تحتاج إلى معرفة أن المعدات مطلوبة، بل إلى موعد محدد يضمن ماءً مستمرًا وآمنًا.

 

كما أن عودة المياه محملة بالشوائب بعد الإصلاحات، إذا ثبتت في شكاوى السكان، تستلزم تحليلًا فوريًا ونشر النتائج، إذ لا يكفي إعادة الضخ من دون ضمان جودة المياه التي تصل إلى الأطفال وكبار السن.

 

ويصعب تبرير مطالبة السكان بتدبير احتياجاتهم قبل الانقطاعات المعلنة، فيما لا تتوافر لهم بدائل ثابتة أو تعويضات أو خطوط ساخنة تستجيب بفاعلية، فتتحول إدارة الخدمة إلى نقل عبء التخطيط من الدولة إلى الأسرة.

 

 

صحة وكهرباء بلا أمان

 

تمثل أعمدة الإنارة المائلة والأسلاك المتدلية في الناصرية خطرًا يمكن تفاديه، لأن صيانة الكهرباء لا ينبغي أن تبدأ بعد صعق مواطن أو سقوط عمود، بل عبر مسح دوري معلن يحدد مواقع الخطر وموعد إزالته.

 

وتتضاعف خطورة الإهمال في أسوان بسبب الحرارة المرتفعة واتساع المسافات، إذ يعني تعطل الكهرباء توقف مضخات المياه وتعرض الغذاء للتلف وتعذر حركة بعض الخدمات الطبية، وليس مجرد انقطاع إنارة في شارع.

 

وفي المقابل، أعلنت الإدارة الصحية تطوير المستشفيات وإدراج أسوان ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، لكن تطوير المباني لا يساوي تلقائيًا جاهزية الخدمة إذا استمر العجز في التخدير والعناية والأطفال والمخ والأعصاب.

 

ويؤكد الدكتور محمد سعيد، وكيل وزارة الصحة بأسوان، أهمية التدريب ورفع كفاءة الكوادر، غير أن التدريب لا يعالج وحده فراغ جدول النوبات أو غياب الاستشاريين، ما لم تقترن الخطة بحوافز استبقاء وتوزيع عادل للأطباء.

 

وتظهر المفارقة حين يُنفق على الإحلال والتجديد بينما يبقى المريض محتاجًا إلى تحويل أو رحلة طويلة، إذ تصبح المنشأة الجديدة واجهة مكلفة إذا لم تتوفر لها أطقم تمريض وأجهزة وقوائم تشغيل معلنة.

 

ولا تكفي أرقام الخدمات الطبية المقدمة لإثبات جودة الرعاية، لأن المعيار الحقيقي هو زمن الوصول للطبيب المختص وتوافر سرير العناية وإمكانية إجراء الجراحة في الوقت المناسب، خصوصًا للحالات الحرجة.

 

ويفترض أن تنشر مديرية الصحة خريطة أسبوعية للطاقة التشغيلية والتخصصات الناقصة والتحويلات، حتى لا يكتشف المريض نقص الخدمة عند باب المستشفى، بعد أن يستهلك الوقت والمال في الانتقال.

 

كما أن إخضاع الكهرباء والصحة لجدول صيانة واحد في المناطق الحساسة ضرورة، لأن انقطاعًا في شبكة غير مؤمنة قد يعطل أجهزة ومضخات وخدمات طوارئ، بينما تتوزع المسؤولية بين جهات لا يعلن أي منها النتيجة.

 

 

صرف وزراعة تحت الإهمال

 

تكشف أزمات الكرور والسيل وأبو الريش وغيرها أن توصيل الشبكات لا يمثل حلًا بذاته، فإذا كانت محطات المعالجة وخطوط الطرد أقل من الأحمال الفعلية، فإن المشروع يتحول بعد افتتاحه إلى مصدر للمياه الجوفية والتسربات.

 

وسجلت منطقة الكرور كسرًا بخط صرف استلزم إصلاحًا على مراحل تحت إشراف المهندس محمد علي، مدير قطاع الصرف بالشركة، وهو ما يثبت أن البنية القائمة تحتاج صيانة استباقية لا تتوقف عند التدخل بعد الانهيار.

 

أما أبو الريش، فتشير إفادات محلية إلى أن مناطق فيها لا تزال خارج شبكة الصرف الصحي وتعتمد على البيارات، فيما يرتبط إدخال الخدمة بالمحافظة والهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، أي أن تعدد الجهات صار جزءًا من المشكلة.

 

وفي الزراعة، لا يمثل نقص الأسمدة المدعمة تفصيلًا إداريًا، لأن المزارع الذي يشتري من السوق غير الرسمية بسعر أعلى يدفع تكلفة إضافية على قصب السكر والمانجو والنخيل، ثم تنتقل الخسارة إلى الإنتاج والأسعار.

 

ويجب أن تعلن مديرية الزراعة الكميات الموردة لكل جمعية وعدد الحيازات المستفيدة وأرصدة المخازن، لأن الغموض هو البيئة التي تسمح بتسرب السماد المدعم وتحويل حق المزارع الصغير إلى سلعة للمضاربة.

 

ولا يبرر اتساع المحافظة تباعد الخدمات، بل يفرض إدارة مختلفة تقوم على خرائط للأعطال والمخاطر والاحتياجات السكانية، وتربط التمويل بالأولوية الفعلية لا بالمشروعات الأكثر قابلية للتصوير والافتتاح.

 

وتشير التقديرات المعلنة إلى خطة إحلال وتجديد لمشروعات المياه والصرف خلال 2026 و2027، لكن إعلان الأرقام لا يجيب عن القرى المستهدفة ولا نسب التنفيذ ولا موعد انتهاء الاختناقات الحالية.

 

والمطلوب ليس لجنة جديدة أو جولة تفقدية إضافية، بل جدول زمني منشور باسم كل جهة مسؤولة، يتضمن إصلاح الخطوط وتأمين الأعمدة وتشغيل المستشفيات وتوزيع الأسمدة ورفع كفاءة الصرف، مع محاسبة معلنة عند التأخير.

 

فأسوان التي تُقدَّم بوصفها بوابة السياحة والزراعة والطاقة لا يجوز أن يظل سكانها في القرى والأحياء الطرفية يدفعون ثمن إدارة تنتظر الانفجار ثم تعلن أنها بدأت الحل.