كشفت بيانات التجارة الخارجية وتحليل سجلات الشركات وشهادات الكوشير ومسارات الشحن، توسع شبكة الصادرات المصرية إلى إسرائيل خلال سنوات الحرب على غزة، بعدما ارتفعت قيمة الصادرات من 145 مليون دولار عام 2023 إلى 307 ملايين دولار عام 2025، بالتزامن مع زيادة عدد الشركات المصدرة من 313 شركة قبل الحرب إلى 2346 شركة حاليًا.
ولا يقتصر هذا التوسع على الشركات الكبرى، بل امتد إلى مكاتب تصدير صغيرة داخل القرى والعزب، حيث تحولت سلاسل جمع المحاصيل الزراعية من الفلاحين والمزارعين إلى حلقة تربط الإنتاج المحلي المصري بأسواق إسرائيلية، عبر شبكات نقل بحرية وبرية وجوية واعتمادات غذائية تفتح الطريق أمام المنتجات المصرية.
الملوخية تكشف المسار
بدأت إحدى حلقات هذا المسار من كيس ملوخية مجمدة ظهر في مجموعة إسرائيلية لوصفات الطعام المصرية، بعدما نشر رجل إسرائيلي يدعى نسيم قمحي صورة لمنتج يحمل علامة FRIO المصرية، ما قاد إلى تتبع الشركة المنتجة وعلاقتها بالسوق الإسرائيلية.
وتبين أن علامة FRIO ترتبط بشركة إيجست جروب المصرية العاملة في مجال تعبئة وتجميد وتصدير المحاصيل الزراعية، حيث ظهرت منتجاتها ضمن سجلات الحاخامية الكبرى في إسرائيل، وحصلت عشرات المنتجات التابعة لها على شهادات كوشير خلال عامي 2025 و2026.
كما أظهرت البيانات وجود نحو 200 سجل لمنتجات غذائية مصرية حاصلة على شهادات كوشير، تعود إلى 33 شركة مصرية، من بينها شركات تعمل في الخضروات والفواكه المجمدة والمعلبات والأغذية المصنعة.
ولا تقتصر هذه القائمة على منتجات غذائية صغيرة، بل تضم شركات معروفة في قطاعات المشروبات والأجبان والحلويات والصناعات الغذائية، ما يكشف اتساع دائرة الشركات المرتبطة بسوق التصدير إلى إسرائيل.
وتشير البيانات إلى أن صادرات الغذاء المصرية إلى إسرائيل ارتفعت من نحو 49.79 مليون دولار خلال عامي 2022 و2023 إلى 105.58 مليون دولار خلال عامي 2024 و2025 ويناير 2026، بزيادة تجاوزت 112%.
قرى مصر على خريطة التصدير
لم تعد التجارة مع إسرائيل مرتبطة فقط بالمصانع الكبرى، إذ تكشف قوائم المصدرين دخول عشرات الشركات الصغيرة الموجودة داخل القرى والعزب إلى هذه الشبكة، ومنها شركات تعمل في الحاصلات الزراعية والحبوب والمنتجات الغذائية.
وفي محافظة البحيرة، التي تعد من أكبر المحافظات الزراعية في مصر، ظهرت شركات تصدير داخل قرى وعزب بمراكز مثل الدلنجات وكفر الدوار، حيث تعتمد بعض الشركات على شراء المنتجات من المزارعين والتجار ثم تجهيزها وشحنها للخارج.
وأوضح ممثل إحدى شركات التصدير أن الشركات الصغيرة تعتمد على شبكة من الموردين والمزارعين، ثم تنقل المنتجات عبر مواني دمياط والإسكندرية والسويس والعين السخنة بمساعدة مخلصين جمركيين.
وتظهر البيانات وجود 39 شركة مصرية مصدرة إلى إسرائيل تقع مقراتها داخل عزب مختلفة، ما يعكس دخول مناطق ريفية بعيدة عن مراكز الاستثمار التقليدية في دورة التجارة الخارجية.
لكن هذا الانتشار يطرح تساؤلات حول طبيعة مسار المنتجات بعد خروجها من مصر، خاصة مع اختلاف روايات بعض المصدرين الذين نفوا التعامل المباشر مع السوق الإسرائيلية رغم ظهور أسمائهم في قواعد البيانات الرسمية.
شبكة نقل تربط البلدين
تزامن توسع الصادرات مع وجود بنية لوجستية تربط المواني المصرية بالمواني الإسرائيلية، حيث كشفت بيانات الشحن عن عشرات المسارات البحرية التي تصل بين مواني بورسعيد ودمياط والإسكندرية وأبو قير وبين حيفا وأسدود.
وتضم هذه الشبكة خطوطًا تديرها شركات شحن دولية كبرى، مع رحلات مباشرة أو عبر الترانزيت، بعضها يتكرر أسبوعيًا، ما يجعل نقل البضائع بين الطرفين أكثر سهولة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.
كما تظهر شركة ZIM الإسرائيلية ضمن خطوط الشحن العاملة في مصر، إلى جانب شركات عالمية أخرى توفر خدمات نقل منتظمة إلى المواني الإسرائيلية.
ولم يقتصر الأمر على البحر، إذ تشير بيانات النقل إلى وجود مسارات جوية تربط مطار القاهرة بمطار بن جوريون، إضافة إلى محاولات إنشاء ممرات برية تربط الخليج ومصر بإسرائيل عبر الأردن.
وفي الوقت نفسه، سجل ميناء العريش تحولًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفعت مساهمته في الصادرات المصرية إلى إسرائيل بشكل كبير، ليصبح أحد المنافذ الرئيسية في حركة التجارة بين الجانبين.
وتكشف هذه الشبكة أن رحلة المنتج المصري لم تعد تبدأ وتنتهي عند المصنع أو المزرعة، بل تمر عبر سلسلة طويلة من الموردين وشركات التعبئة والمواني وخطوط الشحن والمستوردين، وصولًا إلى الأسواق الإسرائيلية.
وبين كيس الملوخية المجمدة القادم من مصنع مصري وطبق على مائدة إسرائيلية، تظهر صورة أوسع لشبكة تجارية توسعت خلال سنوات الحرب، وأصبحت تضم آلاف الشركات ومسارات نقل متعددة تربط مناطق الإنتاج المصرية بالسوق الإسرائيلية.

