في دراسة دولية حول الوحدة والترابط الاجتماعي، أجرى الباحثون 39 مقابلة معمقة مع أشخاص في الولايات المتحدة، إلى جانب مقابلات في البرازيل والصين والهند والمغرب والفلبين وتركيا وزيمبابوي. والمثير أن ما لم يقله المشاركون الأمريكيون كان لافتًا بقدر ما قالوه.
لم يذكر أي مشارك تقريبًا فكرة الواجب الأخلاقي أو الالتزام باعتبارها سببًا للاستمرار في علاقة. لم يقولوا إنهم يحافظون على علاقة لأنهم «مدينون» للطرف الآخر بذلك، كما لم تظهر الولاء والتبادلية كأسباب مستقلة للحفاظ على العلاقات.
بدلًا من ذلك، وصف المشاركون العلاقة الناجحة باعتبارها نوعًا من التوافق: قيم مشتركة، اهتمامات متشابهة، حس فكاهي مشترك، ومعاملة جيدة للآخرين. وإذا لم تعد العلاقة تُشبع احتياجاتهم، يصبح الانسحاب منها خيارًا طبيعيًا.
هذا النموذج يبدو جذابًا؛ فالعلاقات فيه اختيارية وصادقة، ولا تقوم على الإكراه. لكنه يحمل ثمنًا واضحًا: لا توجد ضمانات بأن يظل أحد موجودًا من أجلك.
الوحدة ليست دائمًا غياب الناس
أحد أهم استنتاجات الدراسة أن المشاركين الأمريكيين لم يعرّفوا الوحدة أساسًا باعتبارها غياب الآخرين، بل باعتبارها أن تكون غير مرئي رغم وجودك وسط الناس.
قد تكون وسط مجموعة من الأشخاص، في العمل، أو حتى داخل أسرتك، ومع ذلك تشعر بأن لا أحد يعرفك حقًا أو يراك كما أنت. وكما قال أحد المشاركين: «لم أشعر أن أحدًا يعرفني حقًا، رغم أنني كنت معهم وأحاول.»
لذلك، فالوجود الجسدي للآخرين لا يكفي. ما يبحث عنه الشخص هو التقدير، والاتصال، والشعور بأنه مرئي ومفهوم.
عندما تتحول الوحدة إلى اتهام للذات
هنا تصل الدراسة إلى النقطة الأكثر إثارة للاهتمام. إذا كانت العلاقات في الأساس اختيارية ويجب أن تكسب مكانك فيها، فقد يبدأ الشخص في تفسير الوحدة باعتبارها دليلًا على وجود خلل فيه هو. بدلًا من أن يقول: «أنا لا أملك روابط اجتماعية كافية.»
قد يبدأ في التفكير: «ربما لا أحد يختارني لأنني لست جديرًا بأن يختارني أحد.» وهكذا تتحول الوحدة من مشكلة اجتماعية إلى حكم على الذات.
وأشار المشاركون إلى مشاعر مثل الخجل والإحراج والإنكار والخوف من الظهور بمظهر المحتاج. بل إن أكثر كلمة استخدموها لوصف الشخص الوحيد لم تكن «حزينًا»، وإنما «هشًّا» أو «معرّضًا للأذى». وهذا يفسر لماذا قد يصبح الاعتراف بالوحدة نفسه أمرًا صعبًا.
الاستقلالية قد تزيد الوحدة
تربط الثقافة الأمريكية، وفق الدراسة، النجاح بدرجة كبيرة بالاعتماد على النفس وصناعة الحياة بصورة فردية. لذلك قد يشعر الشخص بأنه مطالب بأن «يصنع شيئًا من نفسه» من دون أن يطلب المساعدة.
وبالتالي، لا تعود الوحدة مجرد حالة تحتاج إلى احتواء، بل تبدو وكأنها فشل شخصي ينبغي إخفاؤه. وهنا تكمن المفارقة: كلما اعتبرنا العلاقات اختيارية تمامًا، أصبح وجودها أقل ضمانًا. وكلما أصبح الإنسان أكثر اعتمادًا على نفسه، صار طلبه للآخرين أكثر إحراجًا.
العلاقات ليست كل البنية التي نحتاجها
لاحظ الباحثون أيضًا اختلافًا مهمًا بين الولايات المتحدة والدول الأخرى التي شملتها الدراسة. في الهند وزيمبابوي والمغرب وتركيا، تحدث المشاركون عن شعور بالانتماء إلى أشياء تتجاوز العلاقات الفردية: الدين، الأرض، الأجداد، الوطن، الحي والمجتمع.
أما في المقابلات الأمريكية، فكان الانتماء في الغالب مرتبطًا بأشخاص محددين وعلاقات متبادلة محددة. وهذا يعني أن انتهاء علاقة عاطفية، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو فقدان وظيفة، أو وفاة شخص قريب، قد لا يعني خسارة علاقة واحدة فقط؛ بل قد يعني انهيار جزء كبير من البنية الاجتماعية التي كان الشخص يستند إليها.
الوحدة ليست دائمًا أن تكون وحيدًا. أحيانًا تكون أن تكون محاطًا بالناس ولا يشعر أحد بوجودك الحقيقي.
والحل، وفق الفكرة التي تطرحها الدراسة، ليس انتظار أن تظهر العلاقات تلقائيًا. ففي مجتمع تقوم فيه الروابط إلى حد كبير على الاختيار، لن يحدث الاتصال الاجتماعي بالضرورة من تلقاء نفسه.
يجب أن نبنيه عمدًا: علاقات صداقة، مجتمعات، مجموعات تشاركنا الاهتمامات والقيم، وروابط تتجاوز مجرد وجود أشخاص حولنا.
والجملة الأهم التي يمكن الخروج بها من المقال ربما هي: الوحدة لا تعني دائمًا ألا يكون حولك أحد؛ أحيانًا تعني ألا يكون هناك أحد يراك حقًا.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/body-meet-mind/202608/when-nobody-has-to-show-up-how-do-we-find-social-connection

