تواجه محافظة مطروح أزمة صحية متفاقمة تهدد انتظام علاج أكثر من ألفي طفل من المصابين بأمراض الدم، بعد توقف صرف الأدوية العلاجية لهم من فرع التأمين الصحي بالمحافظة منذ مايو الماضي، على خلفية غياب الاستشارية الوحيدة المتخصصة التي تعتمد عليها المحافظة في توقيع الكشف الطبي ومراجعة الحالات وتحديد الجرعات العلاجية.

 

وتكشف الأزمة عن مشكلة أوسع تتعلق بنقص التخصصات الطبية الدقيقة في المحافظات الحدودية، وعلى رأسها تخصص أمراض الدم للأطفال، في ظل صعوبة استقطاب الاستشاريين وضعف المقابل المالي المخصص لهم، وهو ما يترك مئات الأسر أمام خيارات صعبة بين السفر لمسافات طويلة إلى الإسكندرية للحصول على الخدمة الطبية، أو تحمل تكلفة شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة على نفقتهم.

 

 

استشارية واحدة لخدمة مرضى أمراض الدم

 

بحسب مصدر طبي مسؤول داخل فرع التأمين الصحي بمطروح، تعتمد المحافظة في تقديم خدمة تخصص أمراض الدم على استشارية واحدة متخصصة في أمراض دم الأطفال، وهي أستاذة بإحدى جامعات الإسكندرية، وتتردد على فرع التأمين الصحي بمطروح مرة واحدة شهريًا لتوقيع الكشف الطبي على الأطفال ومتابعة حالتهم واعتماد الجرعات العلاجية الخاصة بهم.

 

وأوضح المصدر أن الطبيبة لم تتمكن من الحضور إلى فرع التأمين الصحي بالمحافظة منذ مايو الماضي بسبب ظروف عملها الجامعي، وهو ما تسبب في توقف الإجراءات اللازمة لصرف الأدوية العلاجية للمرضى، واضطرار الأسر إلى التوجه إلى فرع التأمين الصحي في الإسكندرية لاستكمال إجراءات الكشف والحصول على العلاج.

 

وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للأطفال المرضى وأسرهم، إذ إن صرف بعض الأدوية العلاجية من خلال التأمين الصحي يتطلب توقيع الطبيب المختص واعتماد العلاج والجرعات، وهو ما يجعل وجود الاستشاري عنصرًا أساسيًا لاستمرار عملية الصرف، حتى في الحالات التي تكون فيها الأدوية متوفرة بالفعل داخل مخازن الفرع.

 

 

 

 

 

أدوية موجودة في المخازن والصرف متوقف

 

المشكلة، وفق المصدر، لا ترتبط بعدم توافر الأدوية داخل فرع التأمين الصحي بمطروح، وإنما بالإجراءات الطبية والإدارية المرتبطة بصرفها، إذ لا يسمح النظام بصرف الجرعات العلاجية إلا بعد توقيع الاستشاري المختص على الكشف وتحديد الجرعة المطلوبة لكل طفل.

 

وهكذا وجد المرضى أنفسهم أمام مفارقة صعبة؛ فالأدوية موجودة داخل مخازن التأمين الصحي، لكن الأسر لا تستطيع الحصول عليها بسبب غياب الطبيب المسؤول عن اعتماد الصرف.

 

وتفرض طبيعة أمراض الدم على الأطفال المصابين بها متابعة طبية مستمرة، كما تحتاج بعض الحالات إلى تعديل الجرعات وفقًا للتحاليل والفحوص الدورية، وهو ما يجعل انتظام المتابعة الطبية جزءًا أساسيًا من خطة العلاج، وليس إجراءً يمكن الاستغناء عنه لفترات طويلة.

 

 

300 كيلومتر تفصل الأسر عن العلاج

 

ومع توقف الخدمة في مطروح، أصبح أمام الأسر خياران رئيسيان، أولهما السفر إلى الإسكندرية لمسافة تقترب من 300 كيلومتر من أجل عرض الأطفال على الطبيب واستكمال إجراءات صرف العلاج، والثاني شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة وتحمل تكلفتها كاملة.

 

ويمثل السفر عبئًا مضاعفًا على الأسر، خاصة أن المرضى أطفال يعانون من أمراض مزمنة ويحتاجون إلى متابعة منتظمة، كما أن الرحلة الطويلة تفرض تكاليف إضافية تتعلق بالمواصلات والإقامة والطعام، فضلًا عن احتمالية عدم تمكن الأسرة من إنهاء الإجراءات الطبية في الموعد المحدد.

 

أما الخيار الثاني، وهو شراء الأدوية من القطاع الخاص، فيحمل الأسر أعباء مالية كبيرة قد تتجاوز قدرة كثير منها على الاستمرار في تحملها شهريًا.

 

 

8 آلاف جنيه شهريًا لعلاج طفلين

 

من بين الأسر التي اضطرت إلى تحمل تكلفة العلاج خارج منظومة التأمين الصحي، أسرة أمين إبراهيم، والد طفلين مصابين بمرض أنيميا البحر المتوسط، والذي قرر شراء الأدوية اللازمة لطفليه من الصيدليات الخاصة بدلًا من المخاطرة بالسفر إلى الإسكندرية.

 

ويقول إبراهيم إن تكلفة علاج طفليه تصل إلى نحو 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو مبلغ يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسرة، خاصة مع استمرار الحاجة إلى العلاج بصورة دورية.

 

ويؤكد أن الأدوية التي يحتاجها طفلاه متوفرة بالفعل داخل مخازن التأمين الصحي في مطروح، إلا أن إجراءات الصرف لا تسمح بالحصول عليها من دون توقيع الاستشاري المختص.

 

ويرى إبراهيم أن السفر إلى الإسكندرية يمثل مخاطرة إضافية، خاصة مع وجود طفلين يحتاجان إلى الرعاية والمتابعة، فضلًا عن مشقة الرحلة واحتمالية عدم تمكن الأسرة من مقابلة الطبيبة في الموعد المحدد، وهو ما دفعه إلى تحمل تكلفة شراء العلاج من الصيدليات الخاصة رغم ارتفاع سعره.

 

 

خطر على الأطفال طوال بقية الشهر

 

ولا تتوقف مخاوف الأهالي عند مشكلة الحصول على الجرعات العلاجية، إذ يرون أن الاعتماد على طبيب واحد يأتي إلى المحافظة يومًا واحدًا فقط كل شهر لا يوفر شبكة أمان طبية كافية للأطفال المصابين بأمراض الدم.

 

ويشير الأهالي إلى أن الطفل المصاب بأحد أمراض الدم قد يتعرض لمضاعفات أو يحتاج إلى استشارة طبية في أي وقت، بينما لا يوجد استشاري متخصص مقيم بالمحافظة يمكن الرجوع إليه بصورة منتظمة.

 

ويعني ذلك أن الأسرة قد تضطر، في حالة حدوث مشكلة طبية متعلقة بالحالة المرضية، إلى البحث عن طبيب متخصص خارج المحافظة أو السفر إلى الإسكندرية، في وقت قد تكون فيه الحالة بحاجة إلى تدخل سريع.

 

وتزداد حساسية الأمر في المحافظات الحدودية، حيث تفرض المسافات الجغرافية وطبيعة الطرق وظروف السفر أعباء إضافية على المرضى، مقارنة بالمحافظات التي تتوافر فيها التخصصات الطبية الدقيقة بصورة أكبر.

 

 

أزمة أقدم من غياب الطبيبة

 

ويؤكد المصدر المسؤول بفرع التأمين الصحي في مطروح أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في غياب الاستشارية خلال الأشهر الأخيرة، وإنما تكشف عن مشكلة أقدم تتمثل في صعوبة توفير أطباء متخصصين في أمراض الدم من الأساس.

 

وأوضح أن الفرع حاول التواصل مع عدد من الأطباء لتوفير الخدمة، إلا أن ندرة التخصص وضعف المقابل المالي يمثلان عائقين رئيسيين أمام استقدام استشاريين جدد.

 

وبحسب المصدر، يحصل الاستشاري على مقابل يتراوح بين 300 و500 جنيه فقط عن الزيارة الواحدة، في حين أن الزيارة تتطلب من الطبيب السفر لمسافة طويلة وقضاء يوم كامل في مطروح، فضلًا عن توقيع الكشف على عدد كبير من المرضى يصل إلى نحو 160 طفلًا خلال الزيارة.

 

ويرى المصدر أن المقابل المالي الحالي لا يمثل حافزًا كافيًا للاستشاريين، خصوصًا في ظل تكلفة الانتقال والإقامة والوقت الذي تستغرقه الرحلة من وإلى المحافظة.

 

 

مطالب بحوافز استثنائية للاستشاريين

 

أمام هذه المعوقات، يرى المصدر أن حل المشكلة يحتاج إلى تدخل مباشر من الجهات التنفيذية بالمحافظة وهيئة التأمين الصحي، من خلال وضع نظام استثنائي لاستقطاب الاستشاريين إلى مطروح.

 

ويشمل ذلك تقديم مكافآت مالية مجزية تتناسب مع طبيعة المهمة والمسافة التي يقطعها الطبيب، إلى جانب توفير وسيلة انتقال آمنة ومناسبة، وتوفير إقامة ملائمة للاستشاريين القادمين من خارج المحافظة.

 

ويعتقد المصدر أن توفير حزمة من الحوافز يمكن أن يساعد في جذب أطباء متخصصين إلى المحافظة، ويقلل الاعتماد على طبيب واحد، بما يضمن استمرارية الخدمة الطبية وعدم ارتباط علاج آلاف الأطفال بموعد زيارة طبيب واحد شهريًا.

 

 

نقص الكوادر يطول تخصصات أخرى

 

ولا تقتصر أزمة التأمين الصحي في مطروح على تخصص أمراض الدم، وفق المصدر المسؤول، إذ تعاني فروع الهيئة بالمحافظة من نقص في عدد من الكوادر الطبية، وخاصة الأطباء الشباب.

 

وأوضح أن حركة النيابات الأخيرة لم تسهم في سد الاحتياجات المطلوبة، كما لم يصل إلى الفرع عدد كافٍ من أطباء التكليف الجدد، ما أدى إلى استمرار الفجوة بين أعداد المرضى والكوادر الطبية المتاحة.

 

وتزداد المشكلة مع وجود نقص في بعض الفئات الطبية المعاونة، ومن بينها الصيادلة، وهو ما دفع الفرع إلى الاستعانة بخريجي كليات العلوم في بعض الخدمات المساندة، بحسب المصدر.

 

ويشير هذا الوضع إلى أن أزمة أمراض الدم تمثل جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق بتوزيع الموارد البشرية الطبية، ومدى قدرة المحافظات الحدودية على جذب الأطباء في التخصصات الدقيقة والاحتفاظ بهم.