قتل جيش الاحتلال الصهيوني 6 فلسطينيين على الأقل بينهم طفل في غارة استهدفت منطقة ميناء غزة غربي المدينة، وأصاب عددا من المدنيين، بينما وسعت قواته عمليات المداهمة في الضفة الغربية واعتقلت 22 فلسطينيا، في تصعيد جديد يتزامن مع تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ودفع المرحلة التالية من الاتفاق في القطاع.
وجاء التصعيد بعد جولة مباحثات أجراها المبعوث الأميركي جاريد كوشنر بين القاهرة وإسرائيل، والتقى خلالها مسؤولين من حركة حماس ووسطاء إقليميين قبل اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون التوصل إلى اختراق في الخلاف المتعلق بنزع سلاح الحركة وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
غارة تضرب منطقة النازحين
وأفادت مصادر طبية ومسؤولو الدفاع المدني في غزة بأن الغارة الإسرائيلية استهدفت منطقة الميناء غربي مدينة غزة، التي أصبحت خلال الحرب واحدة من مناطق تجمع آلاف النازحين، وأسفرت عن مقتل 6 فلسطينيين على الأقل، بينهم طفل.
وقال شهود إن طائرة إسرائيلية أطلقت صاروخين باتجاه مقهى داخل ميناء الصيادين، ما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين بين الموجودين في المكان، فيما أظهرت آثار الهجوم دمارا وبقع دماء ومتعلقات شخصية متناثرة في محيط الموقع المستهدف.
وتباينت الحصيلة الأولية للمصابين بين المصادر، إذ أشارت معلومات مجمع الشفاء الواردة في التقارير الأولية إلى إصابة 13 شخصا، بينما أفادت وكالة رويترز نقلا عن مسعفين بإصابة 14، في حين تحدث تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية عن نحو 12 مصابا.
من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم استهدف قادة وعناصر في حركة حماس قال إنهم كانوا يخططون لهجمات ضد قواته داخل قطاع غزة، وأضاف أن أحد المستهدفين شارك في هجوم 7 أكتوبر 2023، لكنه لم يقدم أدلة علنية تدعم تلك المزاعم.
ولم تؤكد حماس مقتل أي من قادتها في الغارة، واتهمت إسرائيل بمحاولة تقويض الجهود الرامية إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرة أن الهجوم الذي وقع عقب جولة الاتصالات الأميركية يمثل دليلا على استمرار العمليات العسكرية رغم التحركات الدبلوماسية.
وقالت الحركة إنها لا تزال ملتزمة بالمسار المتفق عليه لتطبيق الاتفاق، لكنها اتهمت نتنياهو بعرقلة المفاوضات ورفض تقديم موافقة واضحة على خريطة الطريق المطروحة، مطالبة الوسطاء وواشنطن بالضغط على الحكومة الإسرائيلية للالتزام بما تم التوصل إليه.
مفاوضات بلا اختراق
وتزامنت الغارة مع أزمة متصاعدة بشأن كيفية الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ تدور الخلافات بصورة أساسية حول ترتيب خطوتي نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي ما زالت تسيطر عليها داخل القطاع.
وكان كوشنر قد أجرى في القاهرة مباحثات مع الوسطاء وقادة من حماس بشأن الخطة الأميركية، قبل أن ينتقل إلى إسرائيل ويلتقي نتنياهو في اجتماع مطول لم يسفر عن اتفاق نهائي، رغم وصف المحادثات من الجانب الأميركي بأنها معمقة وبناءة.
وتتمسك إسرائيل، بحسب ما أعلن نتنياهو، بعدم سحب قواتها قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة، في حين تطالب الحركة بتنفيذ الانسحاب بالتوازي مع خطوات ترتبط بالسلاح، بما يتوافق مع خريطة الطريق التي جرى تداولها خلال المفاوضات الأخيرة.
وتنص الخطة المطروحة، وفق التقارير المنشورة، على عملية تدريجية لنزع أو إخراج الأسلحة من الخدمة بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي مرحلي ووقف العمليات العسكرية، لكن الخلاف على ترتيب التنفيذ بات العقبة الرئيسية أمام الانتقال إلى المرحلة التالية.
كما أبلغ مسؤولون في إطار مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة الجانب الإسرائيلي بأن تل أبيب تحتفظ بما تصفه بحق الدفاع عن النفس، وأن إعادة انتشار القوات ترتبط بالتقدم في ملف نزع السلاح، وهو موقف عزز المخاوف الفلسطينية من استمرار الضربات.
وتشير التطورات الأخيرة إلى هشاشة وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، إذ استمرت العمليات والغارات خلال الأشهر التالية، وسقط أكثر من 1200 فلسطيني وأربعة جنود إسرائيليين منذ بدء الهدنة بحسب إحصاءات نقلتها رويترز عن الجهات المعنية من الجانبين.
ويأتي ذلك بينما لا تزال منطقة ميناء غزة، مثل مناطق عديدة في القطاع، مكتظة بعائلات نزحت من منازلها خلال الحرب، وهو ما يرفع مخاطر سقوط المدنيين عند تنفيذ ضربات جوية في مواقع أصبحت تستخدم للإيواء المؤقت وتجمعات النازحين.
اعتقالات تتسع بالضفة
وبالتوازي مع التطورات في غزة، شهدت الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من الاقتحامات الإسرائيلية فجر الأربعاء، قال نادي الأسير الفلسطيني إنها أسفرت عن اعتقال 22 فلسطينيا على الأقل، بينهم صحفي، من محافظات وبلدات عدة.
وشملت الاعتقالات، وفق المصادر الفلسطينية، 8 فلسطينيين من بلدة الظاهرية في محافظة الخليل، و6 من عزون شرقي قلقيلية، و4 من محافظة نابلس، وفلسطينيين اثنين من بيت لحم، إضافة إلى اثنين من دير الغصون شمال طولكرم.
وفي بيت لحم، اعتقلت القوات الإسرائيلية الصحفي عبد الرحمن عبد الكريم محمد حسان عقب اقتحام المدينة، كما اعتقلت فلسطينيا آخر من مخيم الدهيشة، في وقت تشهد فيه الضفة ارتفاعا في أعداد الصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز خلال الحرب.
وكان نادي الأسير قد أعلن في 12 أغسطس أن 40 صحفيا وصحفية كانوا معتقلين في السجون الإسرائيلية، وأن أكثر من 250 صحفيا تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز منذ اندلاع الحرب، وسط مطالبات حقوقية متزايدة بالإفراج عن العاملين في المجال الإعلامي.
وفي نابلس، اقتحمت القوات الإسرائيلية عدة مناطق بينها رأس العين ومخيم بلاطة، فيما أصيب شاب فلسطيني جراء تعرضه للضرب خلال العملية ونقلته طواقم الهلال الأحمر إلى المستشفى، وفق المعلومات الفلسطينية الواردة من المنطقة.
أما في قلقيلية، فقالت مصادر محلية إن قوة إسرائيلية خاصة تسللت إلى بلدة عزون بمركبة مدنية قبل وصول تعزيزات عسكرية، ثم داهم الجنود عددا من المنازل واعتقلوا 6 فلسطينيين، مع تسجيل أضرار في محتويات بعض المنازل.
وفي الخليل وطولكرم، ترافقت الاعتقالات مع مداهمات وإقامة حواجز وإغلاق طرق، في سياق تصعيد مستمر في الضفة منذ أكتوبر 2023، شمل حملات اعتقال واسعة وعمليات عسكرية متكررة وتوسعا في نشاط المستوطنين والبؤر الاستيطانية.
وبين الغارة الدامية على ميناء غزة واتساع حملات الاعتقال في الضفة، تتزامن التطورات الميدانية مع مرحلة شديدة الحساسية من المفاوضات، فيما يبقى وقف إطلاق النار معرضا لمزيد من الاهتزاز طالما ظل الخلاف قائما بشأن الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حماس وترتيب تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

