أعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين البالغ 37 عامًا داخل سجن العاشر من رمضان بعد غيبوبة سكر وإصابة بالأنف وسط مطالب بتحقيق مستقل وتشريح جثمانه ومحاسبة المسؤولين عن إهماله.

 

وتكشف الواقعة مجددًا الوجه القاتم لمنظومة احتجاز تحاصر السجين بالمرض ثم تتباطأ في إنقاذه وتتعامل مع حياته كأنها تفصيل هامشي بينما تظل المؤسسات الرقابية غائبة وتبقى روايات الأسر وحدها شاهدة على أبواب مغلقة.

 

 

غيبوبة انتهت بالموت

 

وبحسب إفادة الأسرة تعرض شرف الدين لغيبوبة سكر حادة داخل محبسه فسقط أرضًا وأصيب بكسر في الأنف غير أن إدارة السجن لم تنقله إلى مستشفى مجهز طوال يومين رغم خطورة حالته وحاجته إلى تدخل عاجل.

 

ووفقًا للمعلومات المتاحة كان الضحية من قرية شبرا النخلة التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية وكان يقضي عقوبة سالبة للحرية لم يتبق منها سوى عام واحد قبل أن تنتهي حياته خلف أسوار السجن.

 

وفي المقابل تتهم الأسرة مسؤولين داخل محبسه بالاعتداء عليه وحرمانه من العلاج مع إهمال حالته الصحية بصورة جسيمة وهي اتهامات تستوجب تحقيقًا جنائيًا لا بيانًا إداريًا يبرئ المؤسسة قبل فحص الأدلة وسماع الشهود.

 

كما أن التأخر المزعوم يومين في نقل مريض دخل غيبوبة سكر لا يمثل مجرد خطأ عابر لأن هذه الحالة قد تقود سريعًا إلى تلف الدماغ أو الوفاة ما يجعل كل ساعة تأخير عنصرًا حاسمًا في المسؤولية.

 

إلى جانب ذلك أثار تسليم الجثمان يوم 11 أغسطس 2026 تساؤلات بشأن توقيت الوفاة الفعلي بعد ورود شهادات عن بقائه داخل السجن فترة قبل إيداعه المستشفى بما قد يشير إلى محاولة طمس التسلسل الزمني للواقعة.

 

وبالتوازي يفرض هذا التضارب ضرورة مراجعة سجلات العيادة وكاميرات الممرات ودفاتر النوبتجيات وأوامر النقل وبيانات دخول المستشفى لأنها وحدها تستطيع تحديد متى تدهورت حالته ومن شاهدها ومن امتنع عن طلب الإسعاف.

 

في هذا السياق يرى الحقوقي أحمد مفرح المدير التنفيذي لمنظمة لجنة العدالة أن تكرار الوفيات المرتبطة بالحرمان من الرعاية يكشف نمطًا يتجاوز الأخطاء الفردية ويستدعي مساءلة سلسلة القيادة الإدارية والطبية داخل أماكن الاحتجاز.

 

ومن زاوية أخرى لا يجوز قانونًا الاكتفاء بوصف الوفاة بأنها طبيعية قبل إجراء صفة تشريحية مستقلة لأن وجود إصابة في الأنف وادعاءات اعتداء وتأخير علاجي يجعل تحديد سبب الوفاة وتوقيتها مسألة قضائية لا إدارية.

 

 

رعاية تحولت إلى عقوبة

 

وعلاوة على ذلك تلزم القواعد المنظمة للاحتجاز إدارة السجن بحماية صحة كل سجين وتوفير طبيب ومتابعة الحالات المزمنة والإحالة إلى المستشفى عند الضرورة ولا تسقط هذه الالتزامات بسبب نوع القضية أو مدة العقوبة.

 

وبناءً على ذلك فإن إصابة مريض السكري بغيبوبة داخل محبسه كانت تقتضي قياس مستوى السكر فورًا وتقديم الإسعاف ونقله دون إبطاء لأن تركه فاقدًا للوعي يعرض حياته لخطر معروف ويمكن تفاديه طبيًا.

 

وفضلًا عن ذلك تحظر قواعد نيلسون مانديلا التمييز في تقديم الرعاية وتؤكد أن السجين يجب أن يحصل على المستوى الصحي المتاح للمجتمع وأن تكون القرارات الطبية مستقلة عن الاعتبارات الأمنية والعقابية داخل المؤسسة.

 

ومن ثم يصبح حرمان شرف الدين من العلاج العاجل إذا ثبت التحقيق اعتداء على حقه في الحياة والسلامة الجسدية ومخالفة للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تلتزم مصر بأحكامه.

 

غير أن الخطاب الرسمي المتكرر بشأن تطوير مراكز الإصلاح يفقد معناه أمام وفاة رجل في السابعة والثلاثين لم يتبق من عقوبته سوى عام واحد بينما تعجز المنظومة عن توفير استجابة طبية أولية لغيبوبة معروفة المخاطر.

 

وعلى صعيد أوسع تؤكد الدكتورة عايدة سيف الدولة المؤسسة المشاركة لمركز النديم أن الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز لا ينفصل عن سوء المعاملة حين يصبح العلاج أداة ضغط ويترك المرضى بلا استجابة فعالة.

 

وبالمثل لا يمكن فصل الواقعة عن شكاوى ممتدة بشأن تأخر عرض المحتجزين على أطباء متخصصين ونقص الأدوية وصعوبة نقل الحالات الخطرة إلى مستشفيات خارجية وهي ممارسات تجعل المرض عقوبة إضافية لم يصدر بها أي حكم.

 

وعوضًا عن الشفافية تظل المعلومات المتعلقة بوفيات السجون محتجزة خلف روايات رسمية مقتضبة بينما تتحمل الأسر عبء إثبات الإهمال والبحث عن التقارير الطبية وتحديد توقيت الوفاة في مواجهة مؤسسة تمتلك السجلات والأطباء وأدوات التوثيق.

 

 

تحقيق يواجه جدار الصمت

 

لذلك طالب مركز الشهاب النائب العام بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل في شبهة القتل الامتناعي الناتج عن الإهمال الطبي مع استدعاء مسؤولي السجن والطاقم الطبي وكل من كان حاضرًا وقت تدهور حالة الضحية.

 

واستكمالًا لذلك دعا المركز إلى ندب لجنة طب شرعي محايدة لمعاينة الجثمان وتوثيق الإصابات وتحديد السبب المباشر للوفاة وموعد حدوثها بدقة ومقارنة النتائج مع روايات إدارة السجن والمستشفى وشهادات المحتجزين والأسرة.

 

كذلك تشمل المطالب تمكين أسرة شرف الدين من الاطلاع على التقارير الطبية ومحاضر التحقيق ونتائج التشريح بدل إبقائها خارج دائرة المعلومات لأن معرفة الحقيقة حق أصيل وليست منحة تمنحها السلطات وفق تقديرها.

 

وفي تقدير الحقوقي نجاد البرعي المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان فإن التحقيق الفعال في ادعاءات التعذيب يتطلب استقلال الجهة المحققة وحماية الشهود وحفظ الأدلة سريعًا لأن بقاء التحقيق داخل المؤسسة المتهمة يهدر الثقة في نتائجه.

 

أما المساءلة المطلوبة فلا ينبغي أن تتوقف عند موظف صغير أو طبيب مناوب بل يجب أن تمتد إلى كل مسؤول علم بخطورة الحالة وامتنع عن التدخل أو أعاق النقل أو أخفى معلومات تتعلق بتوقيت الوفاة.

 

وبدوره يظل غياب رد رسمي مفصل على الاتهامات عاملًا يضاعف الشكوك ولا ينفيها إذ يتعين على السلطات نشر تسلسل زمني موثق للحالة والإجراءات الطبية وموعد النقل والوفاة مع إتاحة الأدلة للنيابة والأسرة.

 

وعلى نحو مماثل يجب أن يشمل التحقيق ادعاء الاعتداء داخل المحبس وتحديد مصدر كسر الأنف وما إذا كان ناتجًا عن السقوط خلال الغيبوبة أو عن عنف سابق مع فحص آثار أخرى محتملة على الجثمان.

 

وأخيرًا لا تختصر وفاة محمد فهمي شرف الدين في رقم جديد داخل سجل طويل لأن القضية تختبر قدرة الدولة على حماية شخص سلبته حريته وأصبح تحت مسؤوليتها الكاملة ثم خرج من محبسه جثمانًا تحيطه الأسئلة.