تتواصل في معظم المحافظات خلال السنوات الأخيرة وتيرة انشاء الطرق والمحاور والكباري، في إطار خطة حكومية تستهدف إعادة تشكيل شبكة النقل ورفع كفاءة الحركة المرورية وربط المناطق المختلفة بمحاور جديدة، إلا أن التوسع الكبير في هذه المشروعات يتزامن مع ضغوط اقتصادية متزايدة على المواطنين، وارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات الأساسية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات متكررة حول أولويات الإنفاق العام ومدى التوازن بين تطوير البنية التحتية للنقل وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها المدارس والمستشفيات والجامعات.

 

وفي أحدث حلقات التوسع في مشروعات الطرق بمحافظة الجيزة، نشرت «الوقائع المصرية»، ملحق الجريدة الرسمية، قرارين جديدين لوزير النقل الفريق كامل الوزير، تضمنا نزع ملكية مجموعة من الأراضي والعقارات لصالح مشروعين رئيسيين هما محطات الأوتوبيس الترددي السريع «بي آر تي» ومحور المريوطية.

 

وتأتي قرارات نزع الملكية بعد تعذر توقيع عدد من أصحاب الأراضي والعقارات أو ذوي الشأن على نماذج نقل الملكية للمنفعة العامة، لتبدأ الإجراءات القانونية اللازمة لاستكمال تخصيص الأراضي الواقعة في مسارات المشروعات.

 

 

قراران جديدان لنزع الملكية في الجيزة

 

حمل القرار الأول رقم 479 لسنة 2026، وتضمن نزع ملكية الأراضي والعقارات الموضحة في الكشوف التفصيلية الصادرة عن مديرية المساحة بالجيزة، وذلك لصالح المرحلة الأولى من مشروع إنشاء مواقف للسيارات لخدمة ركاب الأوتوبيس الترددي السريع على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.

 

وشملت الأراضي والعقارات محل القرار مناطق جزيرة الذهب، والكُنيسة، وكفر الجبل بمحافظة الجيزة، وهي مناطق تشهد خلال السنوات الأخيرة تنفيذ عدد من الطرق والمحاور المرتبطة بشبكة الطرق الدائرية والرئيسية.

 

ويستند القرار إلى قرار رئيس حكومة الانقلاب رقم 3483 لسنة 2023، الذي اعتبر مشروع إنشاء مواقف السيارات الخاصة بخدمة ركاب الأوتوبيس الترددي السريع من أعمال المنفعة العامة.

 

 

24 ألفًا و791 مترًا مربعًا لصالح محطات الأوتوبيس الترددي

 

وبحسب الكشوف المرفقة بالقرار، بلغت إجمالي مساحات الأراضي التي تقرر نزع ملكيتها لصالح محطات الأوتوبيس الترددي الثلاث نحو 24 ألفًا و791 مترًا مربعًا، أي ما يعادل قرابة 5.9 فدان.

 

وتوزعت هذه المساحات على 16 قطعة أرض في المناطق الثلاث المحددة بالقرار، مع اختلاف طبيعة الملكيات وأسماء أصحاب الحقوق، إذ شملت ملكيات خاصة لأفراد وورثة وعائلات، إلى جانب كيانات وشركات، من بينها «شركة النيل للإنشاءات والمواد البنائية».

 

 

محور المريوطية.. مشروع آخر يستلزم نزع ملكية أراضٍ

 

أما القرار الثاني، الذي حمل رقم 480 لسنة 2026، فتعلق بنزع ملكية الأراضي والعقارات الواقعة في مسار مشروع إنشاء محور المريوطية بمحافظة الجيزة.

 

ويمتد نطاق المشروع من نقطة تقاطع محور المريوطية مع الطريق الدائري عند المريوطية، وصولًا إلى تقاطعه مع الطريق الدائري الأوسطي داخل نطاق محافظة الجيزة.

 

وتضمن القرار مجموعة من الكشوف التفصيلية التي أعدتها مديرية المساحة بالجيزة، والتي توضح الأراضي الواقعة في نطاق المشروع وأسماء الملاك وأصحاب الحقوق والمساحات التي تدخل ضمن مساره.

 

وشملت هذه الأراضي مناطق نزلة الأشطر والحرانية وشبرامنت بمركز أبو النمرس، إلى جانب مناطق الشنباب وسقارة بمركز البدرشين.

 

واستند قرار نزع الملكية إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3479 لسنة 2023، الذي اعتبر مشروع محور المريوطية من أعمال المنفعة العامة.

 

 

نزع الملكية بين «المنفعة العامة» وحقوق المواطنين

 

ورغم أهمية مشروعات البنية الأساسية، فإن قرارات نزع الملكية تظل من الملفات التي تحمل جانبًا اجتماعيًا واقتصاديًا حساسًا، خصوصًا بالنسبة لأصحاب الأراضي والعقارات التي تدخل ضمن مسارات المشروعات.

 

فنزع الملكية للمنفعة العامة يعني انتقال ملكية العقار أو الأرض من أصحابها إلى الدولة أو الجهة المستفيدة من المشروع مقابل جزء بسيط كتعويض، لكن الإجراءات قد تثير أحيانًا مخاوف لدى بعض الملاك، خاصة عندما يتعلق الأمر بأراضٍ تمثل مصدر دخل أو ممتلكات عائلية متوارثة.

 

وفي القرارات الجديدة، أوضحت وزارة النقل أن إجراءات نزع الملكية جاءت بعد تعذر توقيع أصحاب الأراضي أو ذوي الشأن على نماذج نقل الملكية، وهو ما استدعى استكمال الإجراءات الخاصة بالنزع.

 

 

المواطن أمام ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والخدمات

 

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المواطن المصري ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية، بما يجعل تكلفة الحياة اليومية عبئًا متزايدًا على الأسر، خصوصًا محدودي ومتوسطي الدخل.

 

ولا تتوقف الضغوط عند أسعار المواد الغذائية، وإنما تمتد إلى تكاليف الأدوية والرعاية الصحية والتعليم وفواتير الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات والنقل، إلى جانب ارتفاع تكاليف السكن والاحتياجات اليومية الأخرى.

 

وفي ظل هذه الظروف، أصبح المواطن ينظر إلى أي زيادة جديدة في تكلفة الخدمات والسلع باعتبارها جزءًا من أزمة أكبر تتعلق بقدرته على تلبية احتياجات أسرته الأساسية.

 

ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا حول قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية وبين توجيه موارد كافية إلى القطاعات التي ترتبط مباشرة بجودة حياة المواطنين.

 

 

ماذا عن المدارس والجامعات والمستشفيات؟

 

من بين أكثر الملفات التي تستحق النقاش في هذا السياق قطاع الخدمات العامة، وبصفة خاصة التعليم والصحة.

 

فبينما تستمر الدولة في تنفيذ مشروعات ضخمة للطرق والكباري والمحاور، يرى قطاع من المواطنين أن الحاجة إلى التوسع في إنشاء المدارس الحكومية والمستشفيات العامة والجامعات الحكومية لا تقل أهمية عن تطوير شبكة الطرق.

 

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل النمو السكاني، الذي يفرض ضغطًا مستمرًا على الطاقة الاستيعابية للمدارس والمستشفيات والمنشآت التعليمية والصحية القائمة.

 

كما أن ارتفاع تكلفة الخدمات الخاصة يجعل الاعتماد الكامل على القطاع الخاص أمرًا صعبًا بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا الأسر التي تواجه في الوقت نفسه ارتفاعًا في أسعار الغذاء والدواء والمرافق والنقل.