توفي المواطن حمدي أحمد درويش جاسر، البالغ 54 عامًا، داخل مركز الرعاية بمستشفى مركز تأهيل بدر، في 11 أغسطس 2026، بعد تدهور حالته الصحية وإصابته بورم في البروستاتا خلال احتجازه، وسط اتهامات حقوقية للسلطات بحرمانه من الرعاية الطبية المناسبة وتأخير علاجه حتى بلوغ حالته مرحلة حرجة.

 

وتعيد وفاة جاسر فتح ملف الانتهاكات داخل مقار الاحتجاز المصرية، حيث تقول منظمات حقوقية إن التأخر في التشخيص والعلاج والنقل إلى المستشفيات أدى إلى وفاة محتجزين كان من الممكن إنقاذهم. ولا تتوقف المأساة خلف القضبان، بل تمتد إلى أسر تعيش سنوات من القلق والانتظار، وأمهات يرحلن قبل احتضان أبنائهن أو وداعهم للمرة الأخيرة.

 

16 شهرًا انتهت بالموت

 

ينحدر حمدي جاسر من قرية عرب الحارث التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، وكان متزوجًا ويعول 4 أبناء. وألقي القبض عليه في أبريل 2025 داخل مطار القاهرة الدولي، أثناء عودته من المملكة العربية السعودية.

 

وبحسب رواية منظمة عدالة لحقوق الإنسان، اختفى جاسر قسريًا لفترة وجيزة عقب توقيفه، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا مطلع مايو 2025. وأمرت النيابة بحبسه وإيداعه سجن أبو زعبل، حيث استمر احتجازه وتعرضت حالته الصحية للتدهور.

 

وأصيب جاسر خلال فترة احتجازه بورم في البروستاتا، وهي حالة تستدعي فحوصًا دقيقة ومتابعة منتظمة لتحديد طبيعة الورم ومدى انتشاره واختيار العلاج المناسب. إلا أن المعلومات الحقوقية المتاحة تشير إلى نقص حاد في الرعاية الطبية وتأخر التعامل مع تطورات مرضه.

 

ومع استمرار تدهور حالته، نُقل إلى مركز الرعاية داخل مستشفى مركز تأهيل بدر، لكن التدخل جاء بعد وصوله إلى مرحلة صحية متقدمة، وفق ما وثقته جهات حقوقية. واستمر التدهور حتى أُعلن عن وفاته في 11 أغسطس، قبل تسليم جثمانه إلى أسرته في اليوم التالي.

 

ولم تعلن الجهات الرسمية، بحسب المعلومات المنشورة، تفاصيل الملف الطبي لجاسر أو نتائج الفحوص التي خضع لها أو مواعيد تشخيص الورم ونقله للعلاج. كما لم يصدر توضيح يجيب عن تساؤلات أسرته والمنظمات الحقوقية بشأن الإجراءات التي اتُخذت قبل الوفاة.

 

وقالت منظمة عدالة لحقوق الإنسان إن إدارة الاحتجاز والسلطات الأمنية تتحملان المسؤولية الكاملة عن سلامة المحتجزين، باعتبار أن المحتجز لا يستطيع الوصول إلى طبيب أو مستشفى أو دواء إلا بموافقة الجهة المسؤولة عن مكان احتجازه.

 

وطالبت المنظمة بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة جاسر، والكشف الفوري عن ملفه الطبي كاملًا، وتحديد توقيت ظهور أعراض المرض وطلبات العلاج المقدمة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تسببه في تأخير إسعافه ونقله إلى المستشفى.

 

وتؤكد المبادئ القانونية أن احتجاز شخص لا يسقط حقه في الحياة والعلاج، بل يجعل الدولة مسؤولة بصورة مباشرة عن توفير الرعاية اللازمة له. وأي تأخير متعمد أو إهمال جسيم قد يتحول من مخالفة إدارية إلى انتهاك يمس الحق في الحياة.

 

أمهات يرحلن بلا وداع

 

لا تنتهي معاناة الاحتجاز عند السجين، إذ تتحمل الأسر أعباء الزيارات والسفر والانتظار أمام السجون، إلى جانب القلق المتواصل على صحة ذويها ومصيرهم. وغالبًا ما تصبح الأم الطرف الأكثر تحملًا لهذه الرحلة الممتدة بين المنازل والنيابات ومقار الاحتجاز.

 

وفي هذا السياق، توفيت والدة طبيب العظام المحتجز أحمد عبد العزيز محمد أحمد القزاز، من مدينة الزقازيق، بعد نحو شهر من وجودها في العناية المركزة إثر حادث سير أليم تعرضت له أثناء عودتها من زيارة نجلها في سجن أبو زعبل.

 

وكانت الأم ترافقها زوجة ابنها وأحفادها عقب الزيارة، قبل وقوع الحادث الذي تسبب في إصابتها إصابة بالغة. وظلت تتلقى العلاج لنحو شهر، لكنها فارقت الحياة بينما بقي نجلها خلف القضبان غير قادر على رؤيتها أو المشاركة في تشييعها.

 

ويقضي أحمد القزاز فترة احتجاز مستمرة منذ نحو عام ونصف، على ذمة القضية رقم 1408 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا. وحرمته ظروف الاحتجاز من حقه الإنساني في إلقاء النظرة الأخيرة على والدته وتوديعها.

 

كما نعت مصادر حقوقية وقانونية وفاة والدة المحتجز حسن خيري محمد سليمان، المحبوس احتياطيًا داخل مركز شرطة منيا القمح على ذمة المحضر المجمع رقم 207، ليتكرر المشهد نفسه مع محتجز آخر فقد والدته وهو عاجز عن حضور جنازتها.

 

ولا يمكن اختزال هذه الوقائع في أحزان أسرية منفصلة، لأنها تكشف الأثر الممتد للحبس الاحتياطي طويل المدة وقيود الزيارة والتنقل. فالأسر لا تعيش فقط غياب أبنائها، وإنما تتحمل تكاليف مالية ونفسية وصحية قد تستمر لسنوات.

 

وتتحول الزيارة، التي يفترض أن تكون حقًا طبيعيًا للمحتجز وأسرته، إلى رحلة مرهقة تبدأ بالسفر لمسافات طويلة والانتظار والتفتيش، وقد تنتهي بلقاء قصير تحكمه القيود أو بمنع الزيارة من دون تمكين الأسرة من الاطمئنان المباشر.

 

مطالب بالتحقيق والمحاسبة

 

تقول منظمات حقوقية إن تكرار وفيات المحتجزين بعد تدهور أوضاعهم الصحية يكشف وجود خلل يتجاوز الحالات الفردية، ويستدعي مراجعة مستقلة لمنظومة الرعاية الطبية داخل السجون ومراكز الشرطة، وآليات نقل المرضى إلى المستشفيات الخارجية.

 

وتطالب هذه المنظمات بتمكين المحتجز من العرض المبكر على أطباء متخصصين، وإجراء الفحوص المطلوبة دون تأخير، وصرف الأدوية بانتظام، والسماح للأسر بإدخال العلاج عند عدم توافره، فضلًا عن الإفراج الصحي عن أصحاب الأمراض الخطيرة.

 

كما تشدد على ضرورة منح جهات مستقلة صلاحية زيارة مقار الاحتجاز وفحص أوضاعها ومقابلة المحتجزين بعيدًا عن إدارة السجن، حتى لا تظل المعلومات المتعلقة بالصحة والانتهاكات خاضعة بالكامل للجهة المتهمة بالتقصير.

 

ويمثل الكشف عن الملف الطبي لحمدي جاسر خطوة أساسية لتحديد المسؤولية، إذ ينبغي أن يتضمن مواعيد الشكاوى والفحوص والتشخيص والأدوية وقرارات النقل، وأسباب بقائه في السجن رغم إصابته بمرض قد يحتاج إلى علاج متخصص ورعاية مستمرة.

 

ويطالب حقوقيون كذلك النيابة العامة بالتحقيق في مدى التزام إدارة الاحتجاز بواجباتها، وسماع أقوال الأسرة والمحتجزين الذين كانوا برفقته والأطباء الذين تابعوا حالته، وعدم الاكتفاء بتقرير صادر عن المؤسسة محل الاتهام.

 

وتكشف وفاة جاسر ورحيل أمهات المحتجزين وجهين لمأساة واحدة، محتجز يفقد حياته بعيدًا عن أسرته، وأم تموت قبل أن ترى ابنها حرًا. وبينهما عائلات تستنزفها سنوات الانتظار والخوف والرحلات المتكررة إلى أبواب السجون.

 

ويبقى مطلب الأسر واضحًا، تحقيق مستقل يكشف الحقيقة، ورعاية طبية تحمي من بقي خلف القضبان، ومحاسبة كل مسؤول ثبت تقصيره. فحقوق المحتجزين لا تتوقف عند بوابة السجن، وحرمانهم من العلاج لا يجوز أن يتحول إلى حكم بالموت البطيء.