قُتل أكثر من 14 مدنيًا وأصيب عشرات آخرون، في هجوم شنته قوات الدعم السريع على منطقة أم عردة جنوب غربي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وسط تصاعد حدة المواجهات وموجة نزوح واسعة فر خلالها مئات السكان بحثًا عن الأمان.
وأعلنت هيئة محامو الطوارئ السودانية أن المعلومات الأولية تشير إلى سقوط الضحايا خلال الهجوم الذي استهدف المنطقة، محذرة من تدهور الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار القتال ونقص الخدمات الأساسية وصعوبة وصول الغذاء والدواء والمساعدات إلى المتضررين.
وتضاربت الروايات الميدانية بشأن الجهة المسيطرة على أم عردة، إذ أعلن الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه صد الهجوم واستعادة المنطقة، بينما قالت قوات الدعم السريع إنها أحكمت سيطرتها عليها وحققت تقدمًا باتجاه مدينة الأبيض.
مدنيون يدفعون ثمن الهجوم
قالت هيئة محامو الطوارئ إن هجوم قوات الدعم السريع أدى إلى مقتل أكثر من 14 مدنيًا وإصابة العشرات، مشيرة إلى أن الحصيلة لا تزال أولية، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المواقع المتضررة واضطراب الاتصالات.
وتحدثت تقارير محلية لاحقة عن ارتفاع عدد القتلى إلى 18 مدنيًا، فيما نزحت نحو 300 أسرة من أم عردة باتجاه مدينة الأبيض والمناطق المجاورة. وغادرت عائلات كثيرة منازلها على عجل دون أن تتمكن من حمل احتياجاتها الأساسية.
وتقع أم عردة على مسافة تتراوح بين 15 و25 كيلومترًا جنوب غربي مدينة الأبيض، ما يمنحها أهمية ميدانية في الصراع الدائر حول عاصمة الولاية والطرق المؤدية إليها من اتجاهي الجنوب والغرب.
وأدى الهجوم إلى حالة من الخوف بين السكان، خصوصًا مع سماع دوي الاشتباكات واقتراب المعارك من المناطق المأهولة. واضطرت أسر إلى السير لمسافات طويلة، فيما لجأ آخرون إلى قرى مجاورة تفتقر بدورها إلى المياه والغذاء والخدمات الصحية.
ويواجه النازحون أوضاعًا إنسانية قاسية بسبب غياب مراكز إيواء مجهزة لاستقبال الأعداد المتزايدة. كما تعاني مدينة الأبيض من ضغوط متراكمة نتيجة موجات النزوح السابقة، فضلًا عن اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار السلع وتدهور الخدمات الطبية.
ودانت محامو الطوارئ الهجوم، مؤكدة أن استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر وإجبارهم على النزوح يمثل انتهاكًا خطيرًا. وطالبت قوات الدعم السريع وجميع أطراف النزاع بوقف الهجمات على المناطق السكنية واتخاذ إجراءات فعلية لحماية السكان.
كما دعت الهيئة إلى فتح ممرات آمنة تسمح بإجلاء الجرحى ووصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، محذرة من أن استمرار العمليات العسكرية قد يترك المصابين بلا علاج ويعرض النازحين للجوع والمرض.
وتتحول المناطق المتنازع عليها سريعًا إلى فراغ إنساني بعد فرار سكانها وتوقف الأسواق والمراكز الصحية ومصادر المياه. وحتى إذا انتهت المواجهات، يبقى الخوف من العودة قائمًا بسبب احتمال تجدد القتال وانتشار مخلفات الحرب.
روايات متضاربة للسيطرة
بالتزامن مع إعلان حصيلة الضحايا، قالت مصادر عسكرية سودانية إن الجيش والقوات المتحالفة معه تصدوا لهجوم واسع شنته قوات الدعم السريع على منطقتي أم عردة وجبل هشابة جنوب غربي الأبيض، وأجبروها على التراجع بعد اشتباكات عنيفة.
وبث جنود من الجيش وعناصر من القوة المشتركة مقاطع مصورة قالوا إنها التقطت داخل المنطقتين بعد صد الهجوم. وظهروا في التسجيلات وهم يعلنون استعادة السيطرة، من دون إمكانية التحقق المستقل من توقيت التصوير أو نطاق الانتشار الميداني.
في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على أم عردة، وقالت إنها حققت تقدمًا على حساب الجيش والقوات المساندة له، واستولت على أسلحة ومعدات عسكرية خلال المواجهات.
ويعكس تضارب الروايات صعوبة تحديد خريطة السيطرة في المناطق المفتوحة بولاية شمال كردفان، حيث تتغير مواقع القوات بصورة سريعة، بينما يستخدم الطرفان البيانات والمقاطع المصورة لإعلان الانتصارات ورفع معنويات المقاتلين.
وتكتسب أم عردة وجبل هشابة أهمية خاصة لقربهما من الأبيض، التي تمثل مركزًا إداريًا وعسكريًا ولوجستيًا رئيسيًا. وأي تقدم حول المدينة قد يؤثر في طرق الإمداد والانتقال بين كردفان ودارفور ومناطق وسط السودان.
وجاءت مواجهات أم عردة بعد يوم من إعلان الجيش التصدي لهجوم واسع لقوات الدعم السريع على جبرة الشيخ في شمال كردفان. وقال الجيش إنه طارد القوات المهاجمة حتى المناطق القريبة من حدود دارفور وكبدها خسائر في الأرواح والعتاد.
ووفق بيانات الجيش، شاركت في هجوم جبرة الشيخ قوة كبيرة تضم أكثر من 250 عربة قتالية، بعد تحشيدات قدمت من إقليم دارفور. ويشير حجم القوة المعلنة إلى تصاعد التنافس على طرق شمال كردفان ومواقعها الإستراتيجية.
كردفان تغرق في الحرب
تشهد ولايات كردفان الثلاث، شمال وغرب وجنوب، مواجهات متصاعدة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 25 أكتوبر 2025، بعدما انتقل جزء كبير من ثقل المعارك إلى الإقليم وممراته الحيوية.
ويرتبط تصاعد القتال بمحاولة كل طرف توسيع نطاق سيطرته وتأمين خطوط إمداده. فالجيش يسعى إلى تثبيت وجوده حول الأبيض وفتح الطرق، بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على الاتصال بين مواقعها في كردفان ودارفور.
وامتدت المعارك بالتزامن إلى إقليم دارفور وولاية النيل الأزرق، ما يهدد بتوسيع رقعة الحرب وفتح جبهات إضافية. وفي كل مرة تنتقل فيها المواجهات إلى منطقة جديدة، تتكرر أنماط القتل والنزوح وتوقف الخدمات.
وتتعرض القرى والمناطق الريفية للخطر الأكبر، بسبب ضعف وجود المؤسسات الطبية والإغاثية وغياب وسائل النقل الآمنة. ويضطر الجرحى أحيانًا إلى الانتظار ساعات قبل الوصول إلى المستشفيات، فيما تموت حالات يمكن إنقاذها لغياب الإسعاف والدواء.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، سقط عشرات الآلاف من القتلى، بينما اضطر نحو 13 مليون شخص إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار.
وأدت الحرب إلى انهيار واسع في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، فيما يعاني ملايين السودانيين من انعدام الأمن الغذائي. وتواجه المنظمات الإنسانية صعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب القتال والحواجز وانعدام الضمانات الأمنية.
وتعيد مأساة أم عردة التأكيد أن المدنيين ما زالوا الحلقة الأضعف في حرب مفتوحة بلا أفق قريب للحل، إذ يسقطون بين القصف والرصاص أو يفرون إلى مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبينما يتبادل الجيش والدعم السريع إعلانات السيطرة والانتصار، يبقى المشهد الأكثر وضوحًا هو جثامين المدنيين وعشرات المصابين ومئات الأسر النازحة، في بلد يدفع سكانه ثمن صراع عسكري طال أمده واتسعت رقعته.

