ضبطت الأجهزة الأمنية مهندسًا بعد إطلاقه النار خلال جلسة صلح عائلي بمدينة 15 مايو جنوب القاهرة، ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص من أسرة طليقته وإصابة اثنين، مع التحفظ على السلاح وبدء تحقيقات النيابة العامة.
وبالتالي لا يمكن اختزال الواقعة في لحظة غضب أو خلاف عائلي منفرد، إذ تأتي وسط سلسلة دامية تجعل البيوت ساحات قتل، بينما تتحرك أجهزة الدولة غالبًا بعد سقوط الضحايا، وتظل أدوات الوقاية والتدخل المبكر أقل حضورًا من أدوات الضبط والعقاب.
كما أن التحريات الأولية تشير إلى أن الواقعة بدأت خلال جلسة هدفت إلى تسوية خلافات بين المهندس وأسرة طليقته، قبل أن تتحول إلى إطلاق نار أسفر عن سقوط شقيقي الطليقة وآخرين، وإصابة شخصين نقلا إلى المستشفى.
وفوق ذلك تكشف هوية الضحايا أن العنف لم يعد محصورًا بين زوج وزوجة، إذ امتد إلى أفراد حضروا للتدخل والصلح، بما يجعل النزاعات الزوجية غير المعالجة قادرة على جر دوائر أسرية أوسع إلى مواجهات قاتلة.
ومن ناحية أخرى جاءت الجريمة بعد أيام من مقتل أسرة كاملة بالتجمع الخامس، تضم أبًا وأمًا وابنتيهما، في واقعة قالت وزارة الداخلية إن صديق رب الأسرة ارتكبها على خلفية خلاف مالي وطمع في أموال وذهب.
إضافة إلى ذلك فإن جريمة التجمع ليست عنفًا أسريًا بالمعنى الدقيق لأن المتهم من خارج الأسرة، لكنها تضاعف الإحساس بانهيار الأمان داخل المساحات الخاصة، وتكشف كيف بات المنزل نفسه مسرحًا لجرائم متعددة الضحايا خلال فترات متقاربة.
العنف يخرج من البيوت
في هذا السياق تعزو أستاذة علم النفس سوسن الفايد اتساع العنف الأسري إلى تداخل الإدمان والضغوط الاقتصادية والاجتماعية والاضطرابات غير المكتشفة، محذرة من أن غياب حلول جادة يخلق مساحة تسمح بتحول الغضب المكبوت إلى اعتداءات شديدة.
وبالمثل ترى الفايد أن الضغوط المهنية والمالية يمكن أن تتحول لدى بعض الأشخاص إلى شحنات عدوانية تفرغ داخل المنزل، فيما يزيد ضعف التواصل بين أفراد الأسرة من احتمالات تحول الخلافات اليومية إلى صدامات لا تجد وساطة فعالة.
وعلى هذا الأساس تبرز واقعة الأقصر في فبراير 2026، حين اتهم أب بتسميم ابنه في سياق نزاع مع والدته، وهي جريمة تكشف كيف يمكن استخدام الطفل نفسه أداة للانتقام في النزاعات الزوجية الممتدة.
في المقابل شهدت القليوبية خلال مايو 2026 مقتل سيدة طعنًا، واتهم زوجها بارتكاب الجريمة عقب خلافات أسرية، لتضاف الواقعة إلى سجل متكرر تتحول فيه خلافات الزواج من نزاع يمكن احتواؤه إلى قتل مباشر.
علاوة على ذلك شهدت بني سويف في يونيو 2026 واقعة أخرى انتهت بمقتل زوجة خنقًا داخل منزلها في قرية كفر عتمان، وأشارت التحقيقات الأولية إلى اتهام الزوج وارتباط الواقعة بخلافات بين الطرفين.
ومن ثم لم يكد الشهر نفسه ينتهي حتى شهدت البحيرة مقتل سيدة في قرية النقراش، بعدما اتهم زوجها بضربها بأداة حديدية إثر خلافات أسرية، في صورة جديدة للعنف الذي يبدأ داخل المنزل وينتهي بجريمة قتل.
كذلك سجلت كرداسة خلال يونيو 2026 مصرع زوجة إثر سقوطها من الطابق السابع، بينما وجهت الاتهامات إلى زوجها بإلقائها عقب مشادة، وهو ما أعاد مجددًا النقاش بشأن تحول العنف الزوجي إلى نهايات قاتلة.
دوائر قتل متكررة
في هذا الإطار ترى أستاذة علم الاجتماع والعلاقات الأسرية أمل رضوان أن الثقافة الذكورية والموروثات التي تمنح بعض الرجال إحساسًا بالسيطرة على المرأة تشكل بيئة حاضنة للعنف، مطالبة بتدخل مؤسسات المجتمع بصورة أكثر فاعلية.
وبناءً على ذلك تحذر رضوان من التعامل مع الضرب أو الإهانة باعتبارهما خلافات منزلية خاصة، لأن التسامح المجتمعي مع المراحل الأولى للعنف يسمح بتطوره، بينما تحتاج الأسرة إلى ثقافة تعتبر الاستقواء جرس إنذار يستدعي التدخل.
وفي العام الماضي هزت قرية زنارة بالمنوفية جريمة قتل زوجة ورضيعها على يد الزوج، قبل أن ينشر المتهم صور الضحيتين، وهي واقعة انتهت لاحقًا بتأييد حكم الإعدام الصادر بحقه أمام محكمة الجنايات.
وعلى نحو مماثل شهدت الدقهلية خلال سبتمبر 2025 واقعة قتل أب لأطفاله الثلاثة وطعن زوجته، قبل أن تنتهي المأساة بوفاته تحت عجلات قطار، لتصبح أسرة كاملة ضحية انفجار عنيف داخل البيت.
أما في الإسماعيلية فقد شهد أبريل 2025 واقعة اتهم فيها زوج بقتل زوجته وإخفاء جثمانها تحت الأسمنت وبناء سور فوقه، وهي جريمة كشفتها التحقيقات بعد اختفاء الضحية وأعادت ملف العنف الزوجي إلى الواجهة.
وفي الإسكندرية انتهى خلاف زوجي خلال 2025 بمقتل سيدة طعنًا أمام أفراد من أسرتها، بينما سجلت المحافظة لاحقًا واقعة أخرى اتهمت فيها زوجة بطعن زوجها، بما يعكس تعدد صور العنف داخل العلاقات الأسرية.
فضلًا عن ذلك شهدت المنيا خلال سبتمبر 2025 مقتل زوجة على يد زوجها إثر خلافات أسرية ومالية، فيما سجلت المحافظة في ديسمبر واقعة وفاة طفل بعد اعتداءات اتهم والده بارتكابها، وفق ما نشر عن التحقيقات.
وفي السياق ذاته سجلت الشيخ زايد خلال ديسمبر 2025 واقعة اتهام شاب بقتل والدته عقب خلاف مالي، وهي من الوقائع التي تظهر أن دائرة القتل الأسري لا تقتصر على العلاقات الزوجية بل تشمل الآباء والأبناء أيضًا.
الأرقام تكشف عمق الأزمة
في هذا الصدد يرى أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق أن الجرائم الأسرية أصبحت أكثر عنفًا، ويربط جانبًا منها بالفقر والضغوط الاجتماعية وثقافة الاستعلاء والسيطرة، مؤكدًا أن خلافات بسيطة قد تتحول إلى جرائم شديدة القسوة.
ومع ذلك لا يجوز تفسير كل جريمة بالفقر أو الأزمة الاقتصادية وحدهما، فالغالبية العظمى ممن يواجهون الضغوط لا يرتكبون جرائم، لكن الضغوط تصبح عامل خطر حين تقترن بالإدمان والعنف السابق وغياب التدخل والقدرة على ضبط الغضب.
إلى جانب ذلك وثقت مؤسسة إدراك 261 حالة قتل لنساء وفتيات نتيجة عنف أسري خلال 2024، بينما أشارت متابعات منشورة إلى 120 حالة خلال النصف الأول من 2025، وهي أرقام رصد لا تمثل حصرًا جنائيًا رسميًا شاملًا.
وفي الوقت نفسه أظهر مسح صحة الأسرة المصرية أن 31% من المتزوجات حاليًا أو السابق لهن الزواج تعرضن لشكل من العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي من الزوج، ما يكشف قاعدة أوسع من حوادث القتل الظاهرة.
ومن جهة أخرى فإن الإعلان المتكرر عن القبض على الجناة وسرعة الإحالة إلى المحاكم يحقق جانب الردع والمحاسبة، لكنه لا يجيب عن سؤال الوقاية، ولا يفسر لماذا لا تظهر الدولة بقوة مماثلة قبل انتقال التهديد والضرب إلى القتل.
لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى آلية إنذار مبكر تربط بلاغات العنف والتهديد والسلاح والإدمان والنزاعات الأسرية الحادة، مع حماية الضحايا وتيسير الوصول إلى الدعم النفسي والقانوني، بدل انتظار الجريمة ثم إعلان تفاصيل القبض على مرتكبها.
وفي المحصلة تكشف 10 وقائع بارزة خلال 2025 و2026، من المنوفية والدقهلية والإسماعيلية والمنيا والإسكندرية والجيزة والقليوبية والبحيرة وبني سويف والقاهرة، أن العنف القاتل داخل الدائرة الأسرية لم يعد خبرًا نادرًا يمكن تجاهله باعتباره استثناءً عابرًا.
وأخيرًا تضع مذبحة 15 مايو الدولة والمجتمع أمام سؤال يتجاوز عقوبة المتهم، وهو لماذا يتدخل النظام بكامل قوته بعد سقوط 4 قتلى، بينما تظل الوقاية من العنف الأسري والتعامل المبكر مع مؤشرات الخطر أقل وضوحًا وحضورًا.

