يراجع ريان م. نيميك، اختصاصي علم النفس السريري، نحو 100 دراسة سنويًا حول نقاط القوة الشخصية، لكنه يرى أن بعض النتائج تستحق التوقف عندها، إما لأنها تخالف التوقعات أو تطرح أفكارًا جديدة أو تثير الفضول. ويستعرض نيميك في هذا المقال خمس دراسات لافتة تكشف نتائج قد تحمل تطبيقات عملية مباشرة في مجالات العمل والتدريب والعلاج والجمهور العام.


ويشير موقع سايكولوجي توداي إلى أن الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب قد يستفيدون من تعزيز استخدامهم لنقاط القوة الشخصية، وأن عدم استخدام هذه القدرات يمثل مشكلة مهمة تستحق المعالجة. كما تظهر الدراسات أن نقاط القوة الشخصية قابلة للتغيير، ولا سيما الحكمة وحسن المنظور، واللطف، وروح الدعابة، والأمل، والامتنان، في حين يمكن أن تساعد تدخلات سلوكية بسيطة على تعزيز استخدامها.


الأشخاص المصابون بالاكتئاب قادرون على تطوير نقاط قوتهم


أظهرت دراسة شبه تجريبية شملت 50 امرأة مصابة باضطراب الاكتئاب الشديد، وُزعن عشوائيًا على ثماني جلسات للتدريب على الإيجابية أو مجموعة ضابطة، أن التدريب على الإيجابية عزز نقاط القوة الشخصية بصورة ملحوظة، وحسّن المنظور الزمني، من خلال تقليل النظرة السلبية إلى الماضي والنظرة القدرية إلى الحاضر، مع تعزيز النظرة الإيجابية إلى الماضي والتوجه الممتع نحو الحاضر والتوجه المستقبلي، إلى جانب زيادة الوعي بالذات.


وتشير الدراسة إلى إمكانية تعديل نقاط القوة الشخصية لدى المصابين بالاكتئاب السريري، وهو ما يكتسب أهمية خاصة لأن دراسات علم النفس الإيجابي لا تتناول عادةً أشخاصًا يعانون اضطرابات سريرية فعلية، كما أن بحث إمكانية تغيير نقاط القوة الشخصية أثناء الإصابة بالاكتئاب يمثل مجالًا أقل تناولًا.


ويقول نيميك إن إدخال نقاط القوة الشخصية في تقييم الحالات، واستكشاف مشكلاتها، ووضع خطط علاجها قد يكون استراتيجية عملية مفيدة عند مساعدة شخص يعاني اضطرابًا سريريًا مثل الاكتئاب.


اكتشاف نقاط القوة لدى الآخرين يمكن أن يعزز مهارات التدريب


توجد طرق متعددة للنظر إلى نقاط القوة الشخصية، من بينها نقاط القوة الأساسية للفرد، ونقاط القوة الأقل حضورًا، ونقاط القوة المرتبطة بالسعادة والإنجاز، وغيرها.


وفي تجربة ميدانية، وُزع 255 مديرًا عشوائيًا على تدخل لتحديد نقاط القوة ركز إما على نقاط القوة الأساسية لدى الموظفين أو على نقاط القوة الأقل حضورًا لديهم. وبعد شهر، أسهم كلا التدخلين بصورة إيجابية في سلوك المديرين المرتبط بالتدريب والتوجيه.


وأظهرت الدراسة أن التدريب على اكتشاف نقاط القوة الشخصية يمكن أن يشكل أداة مفيدة لتطوير مهارات التوجيه لدى المديرين، سواء ركز التدريب على نقاط القوة الأساسية أو تلك الأقل حضورًا.


ويرى نيميك أن أهمية هذه النتيجة تكمن في التذكير بأن اكتشاف أي نقطة قوة لدى الفرد، سواء كانت قوية بالفعل أو أقل استخدامًا ضمن ملفه الشخصي، يمكن أن يكون مفيدًا. ولذلك، ينصح عند ملاحظة نقطة قوة لدى شخص في بيئة العمل بالإشارة إليها وشرح السلوك الذي يعكسها.


نقاط القوة الشخصية قابلة للتغيير.. لكن المعرفة العلمية لا تزال محدودة

 

بحثت مجموعة من الباحثين الإسبان مدى قابلية نقاط القوة الشخصية للتغيير، ومدى شيوع نجاح التدخلات الرامية إلى تعزيز الرفاه النفسي. وراجعت الدراسة 21 مراجعة منهجية، وجمعت نتائج 162 دراسة عشوائية محكمة شملت أكثر من 30 ألف شخص.


وبسبب المعايير الصارمة التي اتبعتها الدراسة، أمكن تحليل 15 نقطة قوة فقط من أصل 24 نقطة من منظور التدخلات النفسية. وأظهرت النتائج أن نحو ثلثي الدراسات نجحت في زيادة نقطة القوة المستهدفة، بينما حسّنت 63% منها مستوى الرفاه النفسي.


وسجلت التدخلات أقوى تأثيراتها في نقاط قوة مثل اللطف، وروح الدعابة، والأمل، والحكمة وحسن المنظور، والامتنان. كما حقق التدريب على اللطف، ولا سيما التعاطف مع الذات، والحب، وحسن المنظور، خصوصًا من خلال التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية، أكبر الزيادات في نقاط القوة الشخصية.


ويرى نيميك أن قوة المنهج العلمي في هذه الدراسة تكشف في الوقت نفسه عن فجوة معرفية، إذ استُبعدت نقاط قوة عديدة من التحليل بسبب عدم توافر دراسات عشوائية محكمة بالقدر الكافي. ويشير ذلك إلى حاجة علم النفس، وعلم النفس الإيجابي تحديدًا، إلى مزيد من الدراسات المحكمة لمعرفة التدخلات الأكثر فاعلية بدل افتراض فاعلية أي تدخل لمجرد أنه يبدو منطقيًا.


وبالنسبة لمن يرغب في تطوير إحدى نقاط قوته الشخصية، تشير النتائج إلى أن فرص تعزيزها تبدو جيدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحكمة وحسن المنظور، واللطف، والأمل، وروح الدعابة، والامتنان، والحب، والتنظيم الذاتي، والروحانية، والتسامح.


«التنبيه السلوكي» قد يحول الوعي بنقاط القوة إلى تغيير فعلي


بحثت دراسة أخرى تجارب الموظفين مع تدخل سلوكي قائم على «التنبيه» بهدف تعزيز نقاط القوة الأساسية في بيئة العمل. ويقصد بالتنبيهات تدخلات بيئية منخفضة التكلفة توجه السلوك من دون تقييد الخيارات المتاحة أمام الفرد، وغالبًا ما تعتمد على إشارات بصرية أو تغيير الخيارات الافتراضية.


وأظهرت المقابلات شبه المنظمة التي أجرتها الدراسة ثلاثة محاور رئيسية، أبرزها أن التنبيهات تساعد على تحويل الوعي بنقاط القوة إلى تغيير سلوكي، وأن الاستخدام الفعلي لنقاط القوة الأساسية يعتمد على مدى ارتباطها الشخصي بالفرد، وأن هذه التنبيهات يمكن أن تثير مجموعة من المشاعر الإيجابية.


ويرى نيميك أن إطلاق اسم محدد على هذا النوع من التدخلات، مع وضع إطار سلوكي واضح لها، يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا. ويقترح إنشاء تنبيهات إيجابية في بيئة العمل، مثل وضع صورة أو شاشة توقف تذكّر بممارسة الامتنان، أو استخدام ملاحظة مكتبية تحمل عبارة «استمع أولًا» لتذكير الشخص بالتواضع، أو برمجة جرس للتنبيه إلى ممارسة اليقظة الذهنية، بحيث يتوقف الشخص عند سماعه ويأخذ نفسين ويسأل نفسه عن نقطة القوة التي يمكنه استخدامها في تلك اللحظة.


عدم استخدام نقاط القوة قد يكون أكثر ضررًا من الإفراط فيها


في دراسة أخيرة شارك نيميك في إعدادها، خضع أكثر من 300 شخص لاختبار جديد يحمل اسم Golden Mean Inventory، يقيس الإفراط في استخدام نقاط القوة، وعدم استخدامها بالقدر الكافي، والاستخدام الأمثل لها، إلى جانب قياسات للاكتئاب والقلق والأعراض الذهانية واستخدام الكحول والسلوكيات الانتحارية.


وأظهرت النتائج نمطًا عامًا من الارتباطات السلبية بين نقاط القوة الشخصية والأعراض المرتبطة بمختلف المشكلات. كما أشارت إلى أن اختلال التوازن في استخدام نقاط القوة، سواء عبر الإفراط أو عدم الاستخدام، قد يرتبط بمشكلات نفسية، لكن عدم استخدام نقاط القوة بصورة كافية ظهر بوصفه مؤشرًا ثابتًا على الأعراض.


ويعتبر نيميك هذه النتيجة لافتة لأن الإفراط في استخدام نقاط القوة يحظى باهتمام كبير باعتباره مفهومًا جديدًا ومثيرًا، بينما يظل عدم استخدامها بالقدر الكافي رسالة أساسية في علم نقاط القوة الشخصية. وقد يعني ذلك أن الفرد يستطيع في كثير من المواقف استخدام إحدى نقاط قوته بصورة أكبر، أو إدارة استخدامها بطريقة أكثر توازنًا وفاعلية.


وينصح نيميك بتحديد نقاط القوة التي يميل الشخص إلى عدم استخدامها بما يكفي، ثم النظر في السياق الذي يظهر فيه هذا النقص، سواء كان العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية أو العلاقات الشخصية أو الحياة الداخلية، واختيار إجراء واحد يمكن أن يساعد على استكشاف نقطة القوة غير المستخدمة أو تعزيزها في ذلك السياق.


وتشير هذه الدراسات مجتمعة إلى أن نقاط القوة الشخصية ليست سمات جامدة لا تتغير، بل يمكن تطويرها وتوجيه استخدامها من خلال تدخلات مدروسة وممارسات سلوكية بسيطة. كما تبرز أهمية تحقيق التوازن في استخدامها، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد امتلاك نقاط قوة معينة، وإنما بمعرفة متى وكيف نستخدمها بالشكل الأمثل.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/what-matters-most/202608/5-surprising-studies-on-character-strengths