كثيرًا ما تتوافر الأفكار الجيدة، ويُدعى إلى المبادئ الخيّرة، وتوضع القواعد الحسنة لإشاعة الخير وتثبيته في نفوس الأفراد والمجتمعات، لكن هذه الأفكار والمبادئ قد لا تجد سبيلها إلى التطبيق العملي في حياة الناس؛ بسبب عوائق تنبع من داخل النفوس أو تفرضها الظروف المحيطة.
ولهذا قال الإمام الغزالي لابنه في رسالته «أيها الولد»: «إن النصيحة سهلة، ولكن الصعب حقًّا هو قبولها».
وقد عاب الإسلام على الذين يعلمون ولا يعملون بما علموا، وعلى الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم. وقرر علماء الإسلام أن ثمرة العلم هي العمل به، وأن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر.
ومن فضل الله تعالى على أمة الإسلام أن أصول العمل الخيري فيها لم تبقَ مجرد حبر على ورق، أو وصايا طيبة تُحفظ ولا تُنفذ؛ بل تحولت منذ عصر النبوة إلى واقع حي، ظهرت فيه صور التكافل والإنفاق والإطعام والوقف وإغاثة المحتاجين.
وفيما يأتي نماذج عملية سجلها التاريخ الإسلامي، لتكون مدرسة يتعلم فيها المسلمون اللاحقون مما صنعه أسلافهم السابقون، ويتعرف من خلالها غير المسلمين إلى ما قدمه المسلمون من أعمال البر والمواقف الإنسانية التي تؤكد أن الإنسان جدير بخلافة الله في الأرض.
الرسول ﷺ ينفق ولا يخشى الفاقة
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجودهم، ولم يكن يمنع سائلاً ما دام يجد ما يعطيه، ولم يكن خوف الفقر يحول بينه وبين الإنفاق في سبيل الله.
روى ابن جرير عن جابر رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه، ثم أتاه آخر فسأله فوعده، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «يا رسول الله، سُئلتَ فأعطيتَ، ثم سُئلتَ فأعطيتَ، ثم سُئلتَ فوعدتَ، ثم سُئلتَ فوعدتَ».
فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره كلامه، فقام عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه وقال: «أنفق يا رسول الله، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا».
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بذلك أُمرتُ».
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى الإنفاق طاعةً لله وامتثالًا لأمره، لا تصرفًا تحكمه حسابات الخوف من الفقر أو نفاد المال.
«أنفق يا بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا»
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الإنفاق بلسانه فقط، بل كان يربي أصحابه على اليقين بأن خزائن الله لا تنفد، وأن ما ينفقه العبد ابتغاء مرضاته لن يضيع.
روى البزار بإسناد حسن، والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال رضي الله عنه، وعنده صُبَر، أي كومات من تمر، فقال: «ما هذا يا بلال؟».
قال بلال: «أعدُّ ذلك لأضيافك».
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما تخشى أن يكون له دخان في نار جهنم؟ أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا».
إنها تربية نبوية على عدم كنز ما يحتاج إليه الناس، وعلى أن يكون المسلم واثقًا بوعد الله، كريم النفس، سريع البذل، لا يمنعه الخوف على المستقبل من أداء حق المحتاج في الحاضر.
رزق الغد على الله
ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته وخدمه على التوكل الصادق على الله، وعدم التعلق المفرط بما يُدخر للمستقبل.
روى أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أُهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث طوائر، فأطعم خادمه، التي تخدمه، طائرًا. فلما كان من الغد أتته به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أنهك أن ترفعي شيئًا لغد! فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد».
وليس المقصود ترك التخطيط أو الأخذ بالأسباب، وإنما تطهير القلب من الخوف الذي يمنع صاحبه من الإنفاق، وربطه بالرزاق سبحانه، الذي تكفل بأرزاق عباده.
القيراط الذي لا يريد النبي ﷺ أن يتركه
بلغ زهد النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه أنه لم يكن يحب أن يموت وفي يده شيء من المال يستطيع أن ينفقه في سبيل الله.
روى البزار عن عبيد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي أبو ذر رضي الله عنه: يا ابن أخي، كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذًا بيده، فقال لي: «يا أبا ذر، ما أحب أن لي أُحدًا ذهبًا وفضة أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه قيراطًا».
قلت: «يا رسول الله، قنطارًا؟».
قال: «يا أبا ذر، أذهب إلى الأقل وتذهب إلى الأكثر، أريد الآخرة وتريد الدنيا! قيراطًا!». ثم أعادها عليه ثلاث مرات.
لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرر معنى عظيمًا: أن قيمة المال ليست في كثرة امتلاكه، وإنما في مقدار ما يقدمه صاحبه لله، وما يصنعه به من خير ينفعه في آخرته.
وقف عمر بن الخطاب.. صدقة باقية لا تنقطع
لم يقتصر العمل الخيري في عهد النبوة على الصدقات الآنية، بل وضع النبي صلى الله عليه وسلم أساس الصدقة الجارية والوقف الخيري، الذي يحفظ أصل المال ويجعل منافعه مستمرة للمحتاجين.
روى الأئمة الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أصبتُ أرضًا لم أُصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟».
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئتَ حبَّستَ أصلها، وتصدَّقتَ بها».
فتصدق بها عمر رضي الله عنه، واشترط أن أصلها لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وأن تُصرف منافعها في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف.
وبهذا التوجيه النبوي نشأ نموذج حضاري للعمل الخيري المستدام؛ إذ يبقى أصل المال محفوظًا، بينما يستمر نفعه وعطاؤه جيلًا بعد جيل.
«ولو بشق تمرة».. حين يصنع الفرد قدوة للآخرين
قد يبدأ الخير بمبادرة من شخص واحد، ثم تتحول مبادرته إلى موجة من العطاء يتنافس فيها المجتمع كله. وهذا ما تجلى في موقف عظيم شهده مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم والنسائي وغيرهما عن جرير رضي الله عنه قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عراة حفاة، مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر، بل كلهم من مُضر، فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة.
فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا رضي الله عنه فأذّن وأقام، فصلى ثم خطب، فتلا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
ثم تلا الآية التي في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره». حتى قال: «ولو بشق تمرة».
فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى رأى جرير رضي الله عنه كومين من طعام وثياب، ورأى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مُذهبة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر مَن عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
إنها دعوة لكل مسلم ألّا يحتقر ما يستطيع تقديمه، ولو كان قليلًا؛ فقد تكون مبادرته سببًا في إيقاظ الخير في نفوس الآخرين، ويظل أجره جاريًا كلما اقتدى به مقتدٍ.
الأنصار يفتحون حدائقهم للمحتاجين
لم يكن إحسان الأنصار مقصورًا على تقديم المال، بل كانوا يفتحون ممتلكاتهم للمحتاجين وأبناء السبيل، ويجعلون مما رزقهم الله نصيبًا للإنسان والطير والحيوان.
روى الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، ثم قال: «يا معشر الأنصار».
قالوا: «لبيك يا رسول الله».
فقال: «كنتم في الجاهلية إذ لا تعبدون الله تحملون الكَلَّ، وتفعلون في أموالكم المعروف، وتفعلون إلى ابن السبيل، حتى إذا منَّ الله عليكم بالإسلام وبنبيِّه إذا أنتم تُحصِّنون أموالكم؟! وفيما يأكل ابن آدم أجر، وفيما يأكل السبع والطير أجر».
فرجع القوم، فما منهم من أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين بابًا؛ أي فتح فيها ثغرات يدخل منها أهل الحاجة.
لقد فهم الأنصار أن المال نعمة تستوجب الشكر، وأن من شكرها فتح أبوابها للمحتاجين، وعدم حبس منافعها عن عباد الله ومخلوقاته.
إطعام أهل الصفة.. تكافل يحمل فيه كل مسلم نصيبه
كان أهل الصفة من فقراء المسلمين الذين لا يجدون ما يكفيهم، فعمل النبي صلى الله عليه وسلم على توزيع مسؤولية إطعامهم بين أفراد المجتمع، حتى يشارك كل قادر في سد حاجتهم.
روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، ثم ينصرف فيقول لأصحابه: «ليأخذ كلُّ رجل بقدر ما عنده».
فيذهب الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين والثلاثة، ويذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباقين.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه بذلك على أن الفقر مسؤولية اجتماعية، وأن رعاية المحتاجين لا ينبغي أن تُلقى على فرد واحد، بل يتقاسمها المجتمع كلٌّ بحسب قدرته.
سعد بن عبادة يطعم ثمانين محتاجًا كل ليلة
روى أبو نعيم في «الحلية» عن محمد بن سيرين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قسم ناسًا من أهل الصفة بين ناس من أصحابه، فكان الرجل يذهب بالرجل، والرجل يذهب بالرجلين، والرجل يذهب بالثلاثة، حتى ذُكر عشرة.
أما سعد بن عبادة رضي الله عنه، فكان يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم.
وهذه صورة عظيمة من صور الجود؛ فقد تحول بيت سعد رضي الله عنه إلى مأوى للمحتاجين، وأصبح إطعام الفقراء عادة يومية ثابتة، لا موقفًا عابرًا أو استجابة مؤقتة.
العمل هو الثمرة الحقيقية للعلم والإيمان
تكشف هذه النماذج أن العمل الخيري في الإسلام لم يكن كلمات تُقال أو مبادئ تُرفع، بل كان حياة عملية عاشها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق ولا يخشى الفاقة، ويحث بلالًا على البذل، ويرفض أن يترك من المال قيراطًا يستطيع إنفاقه في سبيل الله. وهذا عمر رضي الله عنه يحبس أصل أرضه ويجعل ثمرتها صدقة دائمة، والأنصار يفتحون حدائقهم للمحتاجين، والصحابة يتسابقون إلى إطعام أهل الصفة، وسعد بن عبادة رضي الله عنه يعشي ثمانين منهم كل ليلة.
وهكذا يعلّمنا عصر النبوة أن صلاح المجتمعات لا يتحقق بكثرة الحديث عن الخير، وإنما يتحقق حين يتحول الإيمان إلى عطاء، والعلم إلى عمل، والنصيحة إلى استجابة، والمال إلى وسيلة لإغاثة المحتاج وبناء الإنسان.
فلا ينبغي للمسلم أن ينتظر حتى يملك الكثير، ولا أن يحتقر ما يستطيع تقديمه؛ فباب الخير مفتوح بالدينار والدرهم والثوب وصاع الطعام، بل ولو بشق تمرة. ومن يبدأ الخير ويكون قدوة فيه، فله أجر عمله وأجر من اقتدى به، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

