معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن
لا تُفصح مراسيم توقيع "اتفاقية مكّة المكرّمة للدفاع المشترك" عن مضامين هذه الاتفاقية، وإن أفرط متحدّثون من أطرافها، السعودية وتركيا وباكستان، في إيضاحاتهم أنّها لا تستهدف جهةً بعينها. لم يُعلن نصّها، ولم تُعرَف بنودها بالضبط. ولمّا قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إنها اتفاقيةٌ تُماثل، من الناحية الفنية، مبدأ الدفاع المتبادل في المادّة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو)، فإنه لم يضف جديدًا إلى ما أوجزه أولئك المتحدّثون، بل أفاد بهذا بيان القمّة التي جمعت ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس التركي أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بعد توقيعهم الاتفاقية، إذ ورد فيه إنها "تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنصّ على أنّ أي هجوم مسلح على أيٍّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كل أوجه التعاون الدفاعي بينها".
والمعنى أنّ دول الاتفاقية ملزمةٌ بمساعدة بعضها عندما تتعرّض أيٌّ منها إلى اعتداء، غير أن مختصّين أفادوا بأن هذه المساعدة تخضع، بالضرورة، إلى تقييم كل دولة، فليس ميكانيكيًا أن تبادر الرياض إلى نجدة باكستان إذا ما استهدفت موقعًا فيها رصاصاتٌ من مفرزةٍ حدوديةٍ هندية، وكذلك ليست تركيا مطالبةً بأن تُعين السعودية إذا اشتدّ الحُمق في العقل الحوثي، واستهدف منشأةً في "أرامكو" مثلًا. وإذ توافقت أنقرة وإسلام أباد والرياض على عدم إذاعة النصّ الرسمي للاتفاقية، أقله في هذا الوقت، فإن عناوينه العريضة تيسّر القول إنّ الحمولات السياسية، بل والنفسية الشعورية (إن جازت مفرداتٌ كهذه في هذا المقام)، والرسائل المضمرة والظاهرة، في إعلان الاتفاقية أوقعُ وأكثر أهميةً مما فيها، سيّما وأن تقديرات "الدفاع المشترك" مشروطةٌ بحُزمٍ من الاعتبارات الميدانية واللوجستية. فضلًا عن أن الظرف الخاص الذي جاء توقيع الاتفاقية، المثيرة والمهمّة في أي حال، في سياقه، يؤشّر إلى تلك الحمولات والرسائل.
قليلة جدًّا الاتفاقيات، سيّما الموقعة عربيًا في العقود الأخيرة، التي تلتزم أطرافها بالتنفيذ الحرفي لها، وقليلة الاتفاقيات التي لا تشتمل نصوصٌ فيها على ما يستدعي تأويلاتٍ وتفسيراتٍ لها. دعك من "معاهدة الدفاع العربي المشترك" (1950)، وانظر في اتفاق الطائف اللبناني (1989) واتفاق أوسلو الفلسطيني (1993) ووثيقة تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية (1981) ووثيقة إعلان اتحاد المغرب العربي (1989)، أما مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران (2026) فينطق الحال عن الحال. وليس المقصد من هذه الإشارة هنا أنّ الحماس الوفير الذي عبّرت عنه الدول الثلاث في اتفاقية مكّة ليس في محله، بل هو حماسٌ ضروري، وإنما أنه قد يفتُر مع مضي الوقائع والمستجدّات والمتغيّرات التي ستطرأ، ولو حصل تاليًا ما يتطلّع إليه الرئيس أردوغان، انضمام دولٍ أخرى إلى الاتفاقية، وما يترقّبه مراقبون، انضمام مصر تعيينًا.
من صالح الأمة أن تأتلف وتتوافق في اتفاقيات دفاعٍ مشترك وفي غيرها، وينفعها أن تجتمع على أهدافٍ موحّدةٍ، وتفيد من الروابط العضوية القائمة بينها، والبعد الإسلامي شديد السطوع في مراسم توقيع الاتفاقية، فليس اختيارا يوم الجمعة ومكّة المكرمة اعتباطيَّين هنا، على ما نفترض. وإذ يكاد يكون متفقًا عليه أن الرياض، في ذهابها إلى خيار التعاون الدفاعي والعسكري مع أنقرة وإسلام أباد، إنما تعلن، صراحةً لا مواربة، أنّ تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة لا يُسعفها بشأن ضروراتٍ دفاعيةٍ تجري بشأنها، لا بدّ، تقدير المواقف، أقلّه كما تدلّ على هذا الاعتداءات الحوثية والإيرانية. ويبعث على الإرتياح أن يصحّ اجتهادٌ يذهب إلى أن من حزمة الرسائل التي تبعث بها اتفاقية يوم الجمعة أن الرياض ليست في وارد الانضمام إلى اتفاقٍ إبراهيميٍّ مع إسرائيل، وأن أولوياتها ليست هنا، وإنما في توثيق علاقاتها، العسكرية الدفاعية هنا، مع دولتَين كُبرَيَين في العالم الإسلامي، مقلقتين لدولة الاحتلال.
المؤدّى العام في هذه القراءة المتعجلة، والتي لم تحفل بالبعد العسكري المحض لاتفاقية مكة، أنّ لنا أنْ نُسرّ بخيار الرياض وشريكتَيْها، ولنا أن ننتظر هيكلة استحقاقات الاتفاقية وبروتوكولاتها ومأسستها، غير أن الأكثر أهميةً أن حدَث توقيعها شحَنَنا بآمالٍ عريضة، وأحدث ربما فينا مشاعر نفسية خاصّة، والمُنتظر أن تُصان هذه وتلك، وأن يُبنى على ما اتفقوا عليه في مكّة ما هو أبعد منهما.

