وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
هل يمكن أن يكون للنظام العربي موقف، أو مواقف من القضايا العربية بمعزل عن الوصاية الأميركية؟ السؤال بصيغة أخرى: هل يمكن أن يسلك العرب بوصفهم عربًا يتمتّعون بالاستقلال تجاه قضايا فلسطين ولبنان وإيران وليبيا وسورية واليمن من دون التنسيق أو الشراكة مع الولايات المتحدة؟. ... أسئلة كثيرة تفرضها المقاربة العربية الرسمية من أشياء من المفترض أنها تتطلب قراراتٍ وإجراءاتٍ عربية، يفرضها كون العرب عربًا من واقع نظام وقرارات ومنهج عمل كيان عمره أكبر من عمر الاحتلال الصهيوني، اسمه جامعة الدول العربية.
مناسبة السؤال هذا التأفف اللبناني الرسمي، ومن تيارات سياسية متباينة من إصرار إيران على وضع مسألة وقف العدوان الصهيوني وانسحاب قوات الاحتلال بندًا رئيسًا على مائدة المفاوضات بين طهران وواشنطن، غير أن لهذا النوع من الأسئلة بواعث أخرى، مثل هذا الاجتماع الغريب الذي استضافته القاهرة، وضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، لبحث قضايا الإقليم، وهو خطوة سياسية كان من الممكن أن تدعو إلى التفاؤل، لولا أن كل هذا النشاط الدبلوماسي يأتي تحت إشراف ورعاية الإدارة الأميركية التي كلفت كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بإدارة اللقاء، والذي يظهر في الصور المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية المصرية، وكأنه يترأس الاجتماع ويدير المناقشات، ثم يعلن في تصريحات منشورة عبر حسابه على منصة إكس: "ناقشنا مجموعة من القضايا الإقليمية وأهمية البناء على الإنجازات الأخيرة للرئيس ترامب والجهود المستمرة لتخفيف التوترات وتعزيز الأمن والاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".
إشكالية هذا التصريح أنه يظهر الرئيس ترامب وكأنه مدير النظام الرسمي العربي، أو أن وظيفة هذا النظام أن يكون جهة تنفيذية لرؤى وقرارات وإنجازات الرئيس الأميركي، الذي صار حاكمًا على غزّة برغبة عربية رسمية، وأصبح وصيًّا على لبنان بلهفة محمومة من السلطة اللبنانية، ويريد أن يكون حاكمًا ومديرًا لمضيق هرمز وسط تصفيق عربي حادّ، ويريد للاحتلال الصهيوني حدودًا أوسع، ويريد للنظام السوري أن يحارب، نيابة عن الكيان الصهيوني أو مساعدًة له، ضد المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله، ويفرض على العرب أن يكونوا على مسافة واحدة بين العدو الصهيوني والجار الإيراني المسلم فلا يمانعون، ويطلب منهم تجريم أعمال مقاومة الاحتلال وتصنيفها إرهابًا، أو اعتبارها الوكلاء والأذرع للمشروع الإيراني فيستجيبون، ويعدلون خطابهم الدبلوماسي والإعلامي بما يتوافق مع الرغبة الأميركية.
وفي ظل هذا التهافت، تجد السلطة اللبنانية تشكو طوال الوقت مما تسميها التدخّلات الإيرانية في الشؤون اللبنانية، غير أن المثير للدهشة أن هذه السلطة "اللبنانية" تبدو وكأنها تمارس سياسة النأي بالنفس عن الشؤون اللبنانية الحقيقية، فتترك جنوب البلاد مرتعًا لقوات الاحتلال من دون أن تقاوم أو تساعد على المقاومة، وحين تطرح إيران هذه القضية شرطًا في عملية التفاوض مع الإدارة الأميركية لا تعدم أن تجد وجوهًًا تتحدث العربية على الشاشات ممن يسمّون خبراء ومحللين سياسيين لبنانيين يكادون يهتفون" يسقط الاستقلال" إن كان سيأتي من جهة إيران وحزب الله، بل يصل بعضهم إلى أبعد في مكايدة المقاومة بملاطفة الاحتلال الصهيوني، والوصول إلى مرحلة من إسباغ القداسة على التفاوض المباشر مع العدو، وكأنهم يستمتعون بالتفاوض من أجل التفاوض.
يحدث هذا في مرحلة تاريخية لم يكن فيها هذا الكيان اللقيط على هذه الحالة من الوهن والتهافت منذ إنشائه، لكنه التهافت الذي يحميه تهافت عربي أشد وأخطر، يضعنا بصدد إصدار جديدة من"العروبة" المطابقة للمواصفات الأميركية.

