مرت ثلاث عشرة سنة كاملة على واحدة من أشد المذابح ترويعاً وصدمة في تاريخ مصر المعاصر، وهي مجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة في 14 أغسطس 2013.
أكثر من عقد من الزمان انقضى، ورغم تعاقب الأيام والسنوات، لا يزال الجرح الغائر ينزف، ولا تزال مشاهد الرعب والدمار عالقة في الأذهان ككابوس يأبى النسيان. لم يكن ذلك اليوم مجرد حدث دموي عابر، بل مثّل نقطة تحول مفصلية وانعطافة حادة في مسار البلاد، ألقت بظلالها الكئيبة والثقيلة على المجتمع المصري بأسره، سياسياً واجتماعياً وحقوقياً ونفسياً.
ففي أعقاب هذه المجزرة، لم يتوقف نزيف الدماء والانتهاكات، بل اتسع ليطال كل مناحي الحياة العامة، محولاً آمال الديمقراطية إلى واقع قمعي مظلم؛ حيث أسست تلك اللحظة الدامية واقع حقوقي متدهور ومتردٍ، وسياسة قمعية منهجية غير مسبوقة كرّست لمبدأ الإفلات التام من العقاب وقضت على أي مساحة متبقية للمعارضة السلمية وحرية التعبير.
حرب الكلمات وشيطنة الاعتصام السلمي
قبل وقوع المجزرة الدموية في ميدان النهضة، سبقتها حملة ممنهجة من "حرب الكلمات" والشيطنة الإعلامية. فقد سعت الآلة الإعلامية الداعمة للانقلاب العسكري إلى تشويه صورة المعتصمين وتأجيج المشاعر العدائية ضدهم.
ورغم أن الرئيس الراحل محمد مرسي كان شخصية أكاديمية وسياسية منتخبة وحافظاً للقرآن الكريم، إلا أن الحملات ركزت على تحقير الإنجازات وإثارة الخوف من "الأسلمة". وفي المقابل، كانت الاعتصامات في ميادين النهضة ورابعة تتسم بالنظام والانضباط المدني الصارم.
وفرت هذه الاعتصامات للمشاركين وجبات طعام خلال شهر رمضان، وشاشات تلفزيونية، وإنترنت، ومناطق للصلاة، وحتى مساحات ترفيهية للأطفال، مما ينفي بشكل قاطع السردية الرسمية التي حاولت تصوير هذه التجمعات السلمية كبؤر إرهابية مسلحة تستدعي سحقها بالدبابات.
الإفلات المطلق من العقاب وحصانة الجناة
لعل أبرز وأخطر ما يميز العقد الذي تلا مجزرة النهضة هو الإفلات المطلق والتام من العقاب لجميع المتورطين. فرغم أن أحداث الفض العنيف ترقى بوضوح إلى مستوى "الجرائم ضد الإنسانية" وفقاً لتوصيف المنظمات الحقوقية الدولية، لم يُحاسب مسؤول حكومي واحد، أو ضابط شرطة، أو جندي على عمليات القتل التي حصدت أرواح المئات من الأبرياء.
وبدلاً من تطبيق العدالة، سارعت الحكومة المصرية إلى حماية الجناة ومكافأة القوات التي شاركت في الفض. وفي خطوة لترسيخ هذا الإفلات من العقاب، صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2018 على القانون رقم 161، والذي يمنح كبار قادة القوات المسلحة حصانة واسعة وحماية قانونية ودبلوماسية، مما يحصنهم من أي ملاحقات قضائية دولية أو محلية عن الجرائم المرتكبة.
وفي الوقت ذاته، شُكلت لجنة تقصي حقائق في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور، تلاها تقرير للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مارس 2014. ورغم أن كلا التقريرين حاولا إلقاء اللوم الأكبر على قادة الاعتصام، إلا أنهما اضطرا للاعتراف بأن قوات الأمن استخدمت "قوة مفرطة وغير متناسبة"، وفشلت في توفير ممرات آمنة للمعتصمين أو تقديم المساعدة الطبية للجرحى. ومع ذلك، بقيت هذه التقارير حبراً على ورق دون أي إجراءات قضائية.
علاوة على ذلك، سعت الدولة بشكل حثيث لإعادة كتابة التاريخ ومحو آثار الجريمة من الذاكرة الجمعية. فقد أُعيد رصف الشوارع المدمرة، وبُنيت النصب التذكارية تكريماً للجيش والشرطة في قلب الميادين التي رُويت بدماء المعتصمين السلميين.
عقد من العار وسياسة القمع المنهجي
لم تكن مجزرة النهضة مجرد حدث أمني لفض اعتصام، بل كانت بمثابة حجر الأساس ونقطة انطلاق لسياسة قمعية منهجية استهدفت سحق أي شكل من أشكال المعارضة في مصر.
"كانت مجزرتي رابعة والنهضة نقطة تحول اتبعت بعدها السلطات المصرية بلا هوادة سياسة عدم التسامح مطلقاً مع المعارضة"
انطلاقاً من هذا المعنى، وصفت منظمة العفو الدولية السنوات العشر الماضية في مصر بأنها "عقد من العار". فمنذ تلك اللحظة، نجحت السلطات في استئصال الاحتجاجات من الشوارع تماماً عبر ترسانة من القوانين القمعية التي تُجرم حق التجمع السلمي وتصادر حرية التعبير.
وإضافة إلى ذلك، امتد هذا القمع الشرس ليطال كافة الأطياف السياسية بلا استثناء. ولم يقتصر الأمر على استهداف مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين، بل شملت الآلة القمعية الصحفيين المستقلين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء العلمانيين، وحتى الأفراد العاديين الذين يجرؤون على التعبير عن انتقادات بسيطة للسردية الرسمية للدولة.
سجون مكتظة ومحاكمات تفتقر للعدالة
في أعقاب الفض الدموي لميداني النهضة ورابعة، شنت قوات الأمن والجيش حملات اعتقال واسعة ومسعورة طالت عشرات الآلاف من المواطنين. وقد قُدر عدد المعتقلين السياسيين في السجون المصرية بنحو 60 ألف معتقل، وهو ما يمثل أكثر من نصف إجمالي عدد السجناء في البلاد.
هؤلاء المعتقلون يُحتجزون في ظروف قاسية وغير إنسانية، حيث يُحرمون من أبسط حقوقهم الأساسية. وفي هذا الصدد، استُخدمت قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة كذريعة لإبقاء الآلاف رهن الحبس الاحتياطي المطول لسنوات متتالية، متجاوزين الحد الأقصى القانوني البالغ عامين، دون توجيه تهم رسمية واضحة أو إحالتهم لمحاكمات عادلة.
كما شهدت هذه الفترة تنامي دور المحاكم الاستثنائية و"دوائر الإرهاب". فقد تم إصدار مئات أحكام الإعدام والسجن المؤبد في محاكمات جماعية هزلية شابتها انتهاكات جسيمة لحقوق الدفاع. واعتمدت هذه المحاكم في كثير من الأحيان على اعترافات منتزعة تحت وطأة التعذيب الشديد والترهيب، ومن أبرزها المحاكمة التي جرت في سبتمبر 2018 وأسفرت عن الحكم بإعدام 75 شخصاً في قضية واحدة تتعلق بالاعتصامات.
الإعدامات والتعذيب الممنهج داخل السجون
علاوة على الاعتقالات التعسفية، صعدت السلطات المصرية من استخدام عقوبة الإعدام كأداة لترويع وإسكات المعارضة. وخلال عهد الرئيس السيسي، احتلت مصر مرتبة متقدمة عالمياً (ضمن المراكز الثلاثة الأولى في عام 2020) في تنفيذ أحكام الإعدام، حيث تم إعدام أكثر من 400 شخص خلال العقد الماضي.
ومن ناحية أخرى، بات التعذيب وسوء المعاملة ممارسة روتينية وممنهجة داخل مقار الاحتجاز. ويشمل ذلك استخدام الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف، والحبس الانفرادي المطول، والضرب المبرح.
ولعل الأقسى من ذلك هو سياسة الإهمال الطبي المتعمد، التي أدت إلى وفاة العشرات في الحجز. وتبرز هنا حالات وفاة شخصيات بارزة مثل الرئيس الراحل محمد مرسي في عام 2019، والقيادي عصام العريان في عام 2020، بعد سنوات من المعاناة من ظروف احتجاز مزرية وتجاهل متعمد لشكاواهم الطبية ومطالبهم بتلقي الرعاية الصحية اللازمة.
الاختفاء القسري وخنق الفضاء المدني
مما يثير القلق العميق أيضاً التزايد المروع لظاهرة الإخفاء القسري. فبات من المعتاد أن تحتجز قوات الأمن الأفراد بمعزل تماماً عن العالم الخارجي لفترات تتراوح بين بضعة أيام لتصل في بعض الحالات إلى 23 شهراً.
خلال هذه الفترات المظلمة، يُحرم الضحايا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، ويتعرضون لتعذيب شديد لإجبارهم على الإدلاء باعترافات كاذبة تُستخدم لاحقاً ضدهم في المحاكم. وفي حالات أسوأ، تقوم قطاعات الأمن بتنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء وتصفية المعارضين، ليتم الإعلان لاحقاً عن مقتلهم في "تبادل لإطلاق النار" وهمي لتبرير الجريمة.
وبموازاة ذلك، تم خنق الفضاء المدني المستقل بالكامل. فمن خلال إصدار القانون القمعي رقم 149 لعام 2019، مُنحت السلطات صلاحيات واسعة للتدخل في تسجيل أنشطة وتمويل المنظمات غير الحكومية وحلها. كما تم استهداف الصحفيين المستقلين بحملات اعتقال، وتم حجب المواقع الإخبارية ومنصات التواصل لتكميم الأفواه وحجب الحقيقة.
الآثار النفسية والاجتماعية.. جيل محطم وفقدان للأمل
ولم تقتصر تداعيات مجزرة النهضة ورابعة على الجوانب السياسية والقانونية فحسب، بل امتدت لتحدث ندوباً نفسية واجتماعية غائرة في بنية المجتمع المصري. لقد أدت تلك الأحداث الصادمة إلى تحطيم الآمال التي انتعشت إبان ثورة يناير 2011.
فالتحول المفاجئ والعنيف من الحلم اليوتوبي بالحرية والديمقراطية إلى واقع ديستوبي دموي، ولّد حالة من "الاكتئاب السياسي" العميق واليأس لدى قطاعات واسعة من الشباب. لقد تحولت مدينة القاهرة، التي كانت تنبض بالحياة والأمل، إلى مساحة عسكرية خانقة محاطة بنقاط التفتيش والرعب الأمني.
لقد أصبح الجيل الذي شهد تلك المجازر، سواء من نجا منها أو من فقد أحباءه فيها، يعاني من صدمات نفسية مستدامة (PTSD)، حيث حلت اللامبالاة والشعور بالعجز محل النشاط السياسي. فقد رأى الكثيرون كيف قُتل أصدقاؤهم أو زُج بهم في السجون المعتمة دون ذنب، مما جعل مجرد البقاء على قيد الحياة في ظل هذا النظام القمعي أو محاولة الهروب من البلاد عبر قوارب الهجرة أو المنافي هو الهاجس الوحيد.
تواطؤ دولي وغياب الضمير العالمي
لا يمكن قراءة هذا المشهد القاتم وهذا التمادي في القمع بمعزل عن التخاذل المريب والتواطؤ من قبل المجتمع الدولي. ففي أعقاب المذابح الدموية، فشلت الدول الغربية والمجتمع الدولي في اتخاذ أي موقف حازم أو منسق لمحاسبة النظام المصري على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
فرغم صدور قرارات شكلية من الاتحاد الأوروبي في أغسطس 2013 بتعليق صادرات الأسلحة التي قد تُستخدم في القمع الداخلي، إلا أن العديد من الدول الأوروبية البارزة (مثل فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، قبرص، وبلغاريا) سارعت إلى انتهاك هذا الحظر واستأنفت صفقات الأسلحة والمعدات العسكرية الضخمة مع القاهرة.
وبالمثل، تراجع الاتحاد الأفريقي عن موقفه المبدئي، وقام بإعادة عضوية مصر في عام 2014 رغم عدم تحقيق أي تقدم يذكر في ملف حقوق الإنسان.
"إن غياب الرد القوي والمنسق من المجتمع الدولي على المجزرة، قد سمح لقوات الجيش والأمن المصرية بالإفلات من العقاب على جرائم القتل الجماعي بالمعنى الحرفي للكلمة."
منح هذا الصمت الدولي وغياب العقوبات الموجهة السلطات المصرية الضوء الأخضر لمواصلة انتهاكاتها الوحشية، مؤكداً للمسؤولين أنهم لن يواجهوا أي عواقب حقيقية لجرائمهم.
إرث مرير وجرح مفتوح
يمثل ما حدث في ميدان النهضة ورابعة جرحاً مفتوحاً في قلب وضمير المجتمع المصري. لقد دمرت هذه المذابح آمال الملايين الذين حلموا يوماً ما بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وتركت جيلاً كاملاً يعاني من مرارة الصدمة، الاكتئاب، وفقدان الثقة التام في المستقبل.
"بدون عدالة، تظل رابعة (والنهضة) جرحاً مفتوحاً"
https://www.hrw.org/news/2023/08/14/egypt-raba-massacre-reverberates-10-years-later
ورغم كل محاولات السلطة المستميتة لطمس الحقائق وتغيير معالم التاريخ وإسكات الأصوات المطالبة بالحق، ستظل الذكرى حية تنبض في الوجدان. وسيظل مطلب العدالة والمحاسبة لضحايا النهضة ورابعة ديناً في أعناق الأجيال، وحقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم، في انتظار يوم تشرق فيه شمس الحقيقة والمساءلة.

