تحل الجمعة 14أغسطس 2026 الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري الحديث دموية، بعدما اقتحمت قوات مشتركة من الجيش والشرطة الاعتصامين فجر 14 أغسطس/آب 2013، مستخدمة الأسلحة النارية والغاز والقوة المفرطة ضد المعتصمين المؤيدين للرئيس الراحل محمد مرسي.
ثلاثة عشر عامًا مرت، لكن الدم لم يجف في ذاكرة المصريين، ولم تبدأ حتى اليوم محاسبة حقيقية للمسؤولين عن قتل مئات المدنيين، فيما بقيت آلاف الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الناجين وتقارير المنظمات الدولية حبيسة الأرشيف، بينما توسعت آلة القمع التي أعقبت المجزرة لتطال المعارضين والصحفيين والنشطاء، وتعيد تشكيل المجال العام المصري على قاعدة واحدة: الخوف والصمت.
وقدرت السلطات المصرية عدد القتلى في فض رابعة بنحو 632 شخصًا، بينما قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن ما لا يقل عن 817 شخصًا قتلوا في رابعة وحدها، ورجحت أن العدد تجاوز الألف، معتبرة ما حدث جريمة محتملة ضد الإنسانية. كما وصفت منظمة العفو الدولية الواقعة بأنها واحدة من أسوأ حوادث القتل الجماعي للمتظاهرين في التاريخ المصري الحديث.
ورغم هذا التوثيق الدولي الواسع، لم تشهد مصر تحقيقًا مستقلًا وشفافًا يحدد المسؤوليات ويحاسب من أصدر الأوامر ومن نفذها، لتبقى رابعة بعد 13 عامًا رمزًا ليس فقط لمذبحة لم يعاقب مرتكبوها، بل لنظام سياسي كامل تشكل فوق ركامها.
من السادسة والنصف صباحًا.. ساعات الدم التي غيرت وجه مصر
في نحو الساعة السادسة والنصف من صباح الأربعاء 14 أغسطس 2013، بدأت قوات الأمن عملية فض اعتصام رابعة العدوية، بالتزامن مع فض اعتصام ميدان النهضة في الجيزة. وخلال ساعات تحولت المنطقة إلى ساحة قتل واسعة وسط أصوات الرصاص والغاز والنيران، فيما امتلأ المستشفى الميداني بالجرحى والجثامين.
وتظهر الشهادات التي خرجت من الميدان حجم الفزع الذي عاشه المعتصمون وعائلاتهم. وروت سيدات كن داخل الاعتصام أنهن حاولن الفرار بأطفالهن بينما كان إطلاق النار مستمرًا، في وقت كان الرجال والشبان ينقلون المصابين والقتلى إلى المستشفى الميداني.
ولم تكن رابعة حادثًا منفصلًا عن سياق سبقها ولحقها. فقبلها شهدت مصر أحداث الحرس الجمهوري في 8 يوليو/تموز 2013، ثم أحداث المنصة في 27 يوليو/تموز، وبعد يومين فقط من فض رابعة جاءت أحداث ميدان رمسيس في 16 أغسطس/آب، قبل أن تتكرر عمليات القتل والاعتقال في تظاهرات لاحقة.
الصحفي المصري الفلسطيني أدهم حسانين أشار إلى أن ما جرى في تلك الفترة لم يقتصر على رابعة والنهضة، متحدثًا عن عشرات الوقائع الدامية التي شهدتها محافظات مصر في الفترة نفسها. كما تحدثت مصادر معارضة عن أرقام أكبر بكثير للضحايا، إلا أن هذه التقديرات لم تخضع لتحقيق مستقل يسمح بتأكيدها.
ومهما اختلفت أرقام الضحايا، تبقى الحقيقة الأساسية عصية على الإنكار: مئات المصريين قتلوا في يوم واحد، ولم يمثل مسؤول واحد أمام محاكمة مستقلة بسبب قرار الفض وطريقة تنفيذه.
من رابعة إلى دولة الخوف.. 13 عامًا من إغلاق السياسة وملاحقة المعارضين
لم تنته آثار رابعة بانتهاء يوم الفض. فالمجزرة كانت في نظر معارضين وحقوقيين بوابة واسعة لمرحلة جديدة من الحكم تقوم على القبضة الأمنية، وإغلاق المجال السياسي، وإبعاد المعارضة عن الحياة العامة.
بعدها توالت الاعتقالات والمحاكمات الجماعية، وامتلأت السجون بآلاف المعارضين، وتكررت الاتهامات بالاختفاء القسري والتعذيب وسوء أوضاع الاحتجاز، بينما تراجعت مساحة حرية الصحافة والتظاهر والعمل السياسي بصورة غير مسبوقة منذ ثورة يناير.
وتقول المعارضة إن ما جرى بعد 2013 لم يكن مجرد "إجراءات أمنية"، بل إعادة بناء للدولة على قاعدة إقصاء الخصوم وترهيب المجتمع. أُضعف العمل الحزبي، وضاقت مساحة النقد، وجرى تحويل السياسة في مصر من تنافس بين قوى مختلفة إلى مجال شديد القيود تديره السلطة وأجهزتها.
وفي الوقت نفسه، دفع المواطن المصري ثمنًا اقتصاديًا متزايدًا. فقد شهدت السنوات التالية توسعًا كبيرًا في الاقتراض الخارجي، وانخفاضًا متواصلًا في قيمة الجنيه، وارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، وتآكلًا لقيمة الدخول والمدخرات.
ولهذا ترى شهادات عديدة من أسر ضحايا رابعة أن الخسارة لم تتوقف عند من قتل أو اعتقل، بل امتدت إلى مجتمع كامل ضاعت منه فرص التحول الديمقراطي والحياة السياسية الطبيعية.
إحدى شاهدات العيان لخصت المشهد بمرارة حين أشارت إلى أن كثيرين ممن احتفلوا بما جرى في 2013 وجدوا أنفسهم بعد سنوات في مواجهة الغلاء والفقر وضياع الحقوق وفرص العمل، بينما بقي الخوف من السلطة حاضرًا في الحياة اليومية.
توثيق ضخم وعدالة غائبة.. لماذا بقي ملف رابعة بلا حساب؟
على مدار السنوات الماضية، لم تكن المشكلة في نقص الأدلة. منظمة "هيومن رايتس ووتش" أصدرت تقريرها الشهير "حسب الخطة" في أغسطس2014، بعد تحقيق واسع في أحداث الفض، وخلصت إلى أن الانتهاكات المرتكبة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
كما وثقت منظمة العفو الدولية ومؤسسات حقوقية مصرية ودولية وشهود عيان وصحفيون آلاف الوقائع، إضافة إلى الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الوفاة وأسماء القتلى والمصابين. لكن وفرة الأدلة لم تتحول إلى مسار قضائي مستقل.
الباحث الحقوقي عبدالرحمن حمودة قال إن التوثيق بقي "حبيس التقارير"، وإن الأدلة المتراكمة لم تُستخدم حتى الآن لتحقيق العدالة، فيما تعرض بعض الناجين والناشطين الذين وثقوا الانتهاكات للملاحقة والاعتقال.
أما القيادي في جماعة الإخوان المسلمين أشرف عبدالغفار فقال إن وقائع رابعة والنهضة جرى توثيقها بالصور وشهادات الوفاة وأسماء كثير من القتلى والمصابين، مؤكدًا أن ما جرى لن يمحى من ذاكرة الذين عاشوه.
ويرى حقوقيون ومعارضون أن أخطر ما خلفه غياب المحاسبة هو ترسيخ مبدأ الإفلات من العقاب؛ فعندما تمر مذبحة بهذا الحجم دون تحقيق مستقل أو محاكمة المسؤولين عنها، تصبح الرسالة واضحة: القوة يمكن أن تحل مكان السياسة، والرصاص يمكن أن يحل مكان صناديق الاقتراع، والضحايا يمكن أن يتحولوا إلى مجرد أرقام في التقارير.
وفي الذكرى الثالثة عشرة، لم تعد رابعة مجرد ذكرى ليوم دموي من أغسطس 2013، بل سؤالًا مفتوحًا عن مستقبل العدالة في مصر: هل يمكن لدولة أن تطوي صفحة قُتل فيها مئات المواطنين من دون كشف الحقيقة؟ وهل يمكن بناء استقرار حقيقي فوق مقابر الضحايا وآلام المعتقلين وأسرهم؟
ثلاثة عشر عامًا مرت، تغير خلالها وجه مصر كثيرًا، لكن ملف رابعة ظل في مكانه: ضحايا بلا إنصاف، أدلة بلا محاكمة، ومسؤولون بلا مساءلة.
وحتى تتحقق العدالة، ستظل رابعة جرحًا مفتوحًا في تاريخ مصر، وشاهدًا على اللحظة التي انتصر فيها السلاح على السياسة، ودفع المصريون ثمنها دمًا وحريةً ومستقبلًا.

