تتعرض العاصمة الأوكرانية كييف لهجمات جوية روسية متصاعدة، مع دخول نوع جديد من الطائرات المسيّرة النفاثة إلى ساحة المعارك، وهو ما يزيد الضغوط على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، التي تواجه أهدافًا أسرع وتحلق على ارتفاعات أكبر من الطائرات المسيّرة التقليدية.
وفي أحدث هجوم، أصابت طائرة مسيّرة نفاثة مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في وسط كييف، ما أدى إلى اندلاع حريق وسقوط قتلى وجرحى، بالتزامن مع استهداف منشآت مدنية واقتصادية ومرافق أخرى في العاصمة ومدن أوكرانية عدة.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن أكثر من 120 طائرة مسيّرة شاركت في الهجمات خلال اليوم، بينها نحو 90 طائرة نفاثة. وقال إن الهجمات أسفرت، وفق الحصيلة التي كانت متاحة آنذاك، عن مقتل 9 أشخاص وإصابة أكثر من 80 آخرين في مناطق مختلفة من البلاد.
هجوم على أكاديمية العلوم
استهدف أحد الطائرات المسيّرة مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في وسط كييف خلال ساعات النهار، ما تسبب في اندلاع حريق واسع وأضرار في عدة طوابق من المبنى التاريخي.
وقال رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، إن 19 شخصًا أصيبوا جراء الهجوم، ونُقل 6 منهم إلى المستشفى لتلقي العلاج، بينما انتشرت فرق الطوارئ في موقع الضربة للسيطرة على النيران والبحث بين الأنقاض.
وأظهرت صور ومشاهد من موقع الهجوم تصاعد الدخان الأسود من المبنى، فيما عمل رجال الإطفاء على إخماد النيران، بالتزامن مع عمليات تفتيش للأنقاض بحثًا عن أشخاص ربما يكونون عالقين أسفل الركام.
وأفاد زيلينسكي بأن مساعدًا للمسؤول الأوكراني السابق فولوديمير هوربولين قُتل جراء الضربة، بينما أُصيب هوربولين نفسه، كما أشار إلى استمرار البحث عن شخص تحت الأنقاض في أعقاب استهداف المبنى.
وتقع الأكاديمية في منطقة مركزية من العاصمة، بالقرب من مبانٍ ومواقع حكومية بارزة، ما جعل استهدافها خلال ساعات العمل النهارية يلفت الانتباه إلى اتساع نطاق الهجمات داخل قلب كييف.
مسيّرات أسرع وأصعب اعتراضًا
ويأتي الهجوم في وقت تكثف فيه روسيا استخدام الطائرات المسيّرة النفاثة، التي تختلف عن الطائرات المسيّرة الأقدم التي تعمل بمحركات مروحية، إذ تتميز بسرعة أكبر وقدرتها على التحليق على ارتفاعات عالية.
وأصبحت هذه الطائرات تمثل تحديًا متزايدًا للدفاعات الجوية الأوكرانية، خصوصًا مع تحليق بعضها على ارتفاعات تتراوح بين 4 و7 كيلومترات، ما يصعّب التعامل معها بواسطة بعض وسائل الدفاع الجوي المحمولة. ووفق تقرير لرويترز نُشر قبل أيام، تراجعت نسبة اعتراض أوكرانيا للطائرات المسيّرة النفاثة إلى نحو 60% مقارنة بمستويات أعلى بكثير مع الأنواع الأقدم.
وفي أحدث إفادة له، قال زيلينسكي إن نسبة إسقاط الطائرات المسيّرة عمومًا بلغت 70% في ذلك اليوم، بينما بلغت نسبة إسقاط الطائرات النفاثة 57%، مشيرًا إلى أن أوكرانيا تختبر طائرات اعتراضية جديدة لمواجهة هذا النوع من التهديدات.
وتشير هذه الأرقام إلى التحدي الذي تواجهه كييف مع زيادة اعتماد موسكو على الطائرات النفاثة، خصوصًا مع استخدامها بأعداد كبيرة وفي هجمات متواصلة على مدار ساعات اليوم.
وكانت روسيا قد بدأت منذ أشهر في زيادة استخدام هذه الطائرات، بينما تعمل أوكرانيا على تطوير وسائل اعتراض جديدة قادرة على التعامل معها. وأفاد معهد دراسة الحرب بأن أوكرانيا اختبرت نماذج أولية من طائرات اعتراضية، في محاولة للتعامل مع تصاعد استخدام المسيّرات النفاثة الروسية.
أهداف مدنية واقتصادية في كييف
ولم يقتصر الهجوم على مبنى الأكاديمية، إذ قال زيلينسكي إن شركة أدوية ومحطات وقود ومنشأة طبية تعرضت للاستهداف في العاصمة خلال الهجمات نفسها.
كما استهدفت الضربات في مناطق أخرى منشآت مدنية وشركات وبنية تحتية للاتصالات، في مؤشر على اتساع قائمة الأهداف التي تتعرض للقصف الجوي الروسي.
وقال زيلينسكي إن الهجمات الجديدة تظهر، من وجهة نظر كييف، الحاجة إلى استمرار الدعم الدولي لأوكرانيا، معتبرًا أن مساعدة البلاد يجب أن تتضمن وسائل عملية لحماية السكان من الضربات الجوية.
وتأتي هذه الهجمات بعد أيام من تصاعد الضربات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وسط تركيز متزايد على البنية التحتية الاقتصادية والطاقة والاتصالات، إلى جانب الأهداف العسكرية.
وبحسب رويترز، اتسع نطاق الاستهداف الروسي في الفترة الأخيرة ليشمل مراكز بيانات ومنشآت اتصالات، إلى جانب منشآت الموانئ والطاقة والمستودعات، ما يضيف بعدًا اقتصاديًا إلى حملة الضربات الجوية.
قتلى في هجوم دنيبرو
وبالتزامن مع الضربات التي استهدفت كييف، تعرضت مدينة دنيبرو جنوب شرقي أوكرانيا لهجوم بطائرة مسيّرة روسية أصاب مركزًا للأعمال.
وأعلن مسؤولون محليون مقتل 3 أشخاص في الهجوم، بينما أُصيب آخرون، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد حركة نشطة خلال ساعات العمل.
وقال حاكم المنطقة أولكسندر هانجا إن المركز يقع في قلب المدينة، وتحيط به مبانٍ سكنية وحديقة ومكتبة ومكاتب، مؤكدًا وجود مئات الأشخاص في المنطقة خلال وقت الهجوم.
كما أفاد بمقتل شخص آخر في مكتب للخدمات اللوجستية بمدينة سينيلنيكوف، الواقعة جنوب شرقي دنيبرو.
ويعكس استهداف مركز للأعمال ومكتب للخدمات اللوجستية اتساع نطاق الضربات إلى منشآت مرتبطة بالنشاط الاقتصادي والتجاري، في وقت تتعرض فيه المدن الأوكرانية لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة.
وتقول السلطات الأوكرانية إن هذه الهجمات لا تقتصر على الجبهة أو المنشآت العسكرية، بل تمتد إلى مناطق مدنية مأهولة ومرافق اقتصادية.
كييف تتحدث عن هجمات روسية متواصلة
ووصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها استهداف مؤسسة علمية في وسط كييف خلال ساعات العمل بأنه مؤشر على اتساع نطاق الهجمات الروسية.
وقال إن الضربات المتكررة تزيد مخاوف السلطات الأوكرانية من استمرار التصعيد، داعيًا شركاء بلاده إلى اتخاذ خطوات إضافية لدعم منظومات الدفاع الجوي.
وتزامن ذلك مع استمرار إطلاق صفارات الإنذار في العاصمة، بينما تعاملت فرق الطوارئ مع آثار الهجوم في عدد من المواقع.
أوكرانيا ترد بضربات داخل روسيا
وفي المقابل، كثفت أوكرانيا خلال الفترة الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيّرة على الأراضي الروسية، مستهدفة خصوصًا منشآت مرتبطة بقطاع النفط والصناعات الدفاعية.
وقال زيلينسكي إن القوات الأوكرانية استهدفت منشآت نفطية في إقليم كراسنودار، إلى جانب مصنعين للصناعات الدفاعية داخل روسيا.
وتقول كييف إن استهداف منشآت النفط يهدف إلى تقليص الموارد التي يمكن أن تدعم العمليات العسكرية الروسية، بينما تؤكد موسكو من جانبها أن الهجمات الأوكرانية تستهدف مواقع داخل الأراضي الروسية.
وفي المقابل، تنفي روسيا وأوكرانيا تعمد استهداف المدنيين، رغم سقوط أعداد من القتلى والجرحى في الهجمات الجوية المتبادلة.

