تواجه لقمة المصريين تهديدًا جديدًا مع مطالبة شعبة المخابز بزيادة أسعار الخبز السياحي والفينو بنسبة 15%، عقب ارتفاع أسعار الدقيق، لتصل ضغوط الغلاء إلى أبسط وجبة تعتمد عليها الأسر في إطعام أبنائها يوميًا.
وتضع المطالب الجديدة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي وحكومة مصطفى مدبولي أمام مسؤولية مباشرة عن حماية قوت الناس، بعدما أصبح تأمين الخبز نفسه مصدر قلق، بينما تتزاحم احتياجات الدراسة والطعام والمواصلات على ميزانيات لا تحتمل استنزافًا إضافيًا.
غلاء الدقيق يطارد لقمة المصريين
فقد أوضح عبد الله غراب، المسؤول عن الشعبة العامة للمخابز، أن سعر طن الدقيق ارتفع من نحو 17 ألف جنيه إلى 21 ألفًا، وأن الأسعار الاسترشادية للمخبوزات وُضعت عند مستوى التكلفة الأقل.
وبذلك تصل الزيادة في سعر الطن إلى أربعة آلاف جنيه، أي قرابة 23.5%، وهي قفزة تطرح سؤالًا عن قدرة الحكومة على تأمين مدخلات الغذاء، قبل مطالبة المستهلك بتحمل نتائج اضطراب السوق وحده.
وفي المقابل، لا يعني ارتفاع الدقيق بالنسبة نفسها أن كل رغيف يجب أن يرتفع تلقائيًا بمقدار مماثل؛ فالتسعير يحتاج حسابًا معلنًا للتكلفة، يحدد نصيب الخامات والتشغيل وهوامش الربح، بعيدًا عن التقديرات المفتوحة.
لكن الحكومة مطالبة بما يتجاوز تسجيل الشكاوى وانتظار الاجتماعات، لأن ترك الأزمة تتفاقم بين المطاحن والمخابز ينتهي بوضع الأسرة أمام الاختيار الأصعب: دفع المزيد مقابل الكمية نفسها، أو شراء خبز أقل لأفرادها.
كما أن اختزال المشكلة في خلاف بين صاحب المخبز والمشتري يعفي السلطة من مسؤوليتها الأساسية؛ فالمستهلك لا يتحكم في الاستيراد أو المعروض أو تكاليف النقل، ولا يمتلك أدوات التدخل التي تملكها مؤسسات الدولة.
ومن هنا، يصبح السؤال الموجه إلى السيسي ومدبولي مشروعًا ومباشرًا: أين إجراءات حماية الخبز من موجة الغلاء، وأين النتائج التي يمكن للأسر لمسها عند الشراء، بدل الاكتفاء بتفسير أسباب ارتفاع التكلفة؟
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين مطالبة المخابز بزيادة الأسعار وبين اعتمادها رسميًا؛ فقد تضمنت تصريحات مساء 28 سبتمبر نفيًا لحدوث زيادة جديدة، مع استمرار انتظار مناقشات وزارة التموين بشأن المطالب المقدمة.
ومع ذلك، فإن عدم إقرار الزيادة حتى الآن لا يمحو الأزمة، بل يمنح الحكومة فرصة للتدخل قبل وقوعها؛ فإذا انتهت المناقشات بتحميل المستهلك الفاتورة كاملة، فلن يكون الانتظار قد وفر له حماية حقيقية.
ساندوتش المدرسة يدفع ثمن العجز
وبالتزامن مع بدء الدراسة، تكتسب أزمة الفينو قسوة إضافية، إذ يرتبط استهلاكه بتجهيز طعام الأبناء، فتتحول الزيادة المحتملة إلى عبء متكرر، يصعب على الأسر التعامل معه باعتباره شراءً استثنائيًا يمكن تأجيله بسهولة.
ووفق المقترح المطروح، فإن تطبيق زيادة 15% على رغيف سعره جنيهان يرفع ثمنه إلى جنيهين و30 قرشًا؛ وهو المثال الذي عرضه عبد الله غراب لتوضيح الأثر المباشر للنسبة المطلوبة على سعر البيع.
وبحساب افتراضي لأسرة تشتري عشرة أرغفة يوميًا بهذا السعر، ترتفع الفاتورة من 20 إلى 23 جنيهًا، بما يعادل 90 جنيهًا إضافية خلال ثلاثين يومًا، مقابل الكمية نفسها ودون أي تحسن في الطعام.
وإذا كانت الأسرة تحتاج عشرين رغيفًا يوميًا، تصبح الزيادة الافتراضية 180 جنيهًا شهريًا؛ وهنا يظهر حجم العبء الذي تخفيه عبارة «ثلاثون قرشًا»، عندما تتكرر على مشتريات يومية لأفراد متعددين داخل البيت الواحد.
وفوق ذلك، يظل الخبز جزءًا من تكلفة الوجبة، لا الوجبة كاملة؛ فميزانية الساندوتش تشمل ما يوضع داخله أيضًا، ولذلك تتراكم الضغوط عندما تضطر الأسرة إلى توزيع الدخل نفسه على احتياجات متنافسة لا تقبل الإلغاء.
وبالتالي، فإن مطالبة الناس بالتدبير لا تصلح سياسة لمواجهة الغلاء، لأن التدبير له حدود، وبعدها يبدأ الاقتطاع من الكميات والجودة، ويتحول ضغط الميزانية إلى تنازل إجباري عن احتياجات كان يفترض أن تبقى متاحة.
كذلك، لا تمنح تسمية «الخبز السياحي» الحكومة مبررًا للتعامل معه كسلعة كمالية؛ فالاسم المتداول لا يغير وظيفته كغذاء، ولا يجعل الأسر التي تشتريه قادرة تلقائيًا على استيعاب كل زيادة جديدة دون ضرر.
ولهذا، يجب تقييم أي تعديل للأسعار من زاوية أثره على إنفاق الأسر، مع إعلان إجراءات الحماية المصاحبة، بدل حصر النقاش في مقدار الزيادة التي يمكن تمريرها، وكأن قدرة المشتري على الدفع أمر مضمون.
السيسي ومدبولي أمام مسؤولية الخبز
وأمام هذه الصورة، تتحمل حكومة مدبولي مسؤولية تقديم إجابات محددة عن أسباب ارتفاع الدقيق، وحجم المعروض، وكيفية احتواء التكلفة؛ فالمعلومات الواضحة شرط للمحاسبة، بينما تترك العبارات العامة الناس في مواجهة مخاوف يصعب تبديدها.
كما يتحمل السيسي المسؤولية السياسية عن ترتيب الأولويات العامة، لأن حماية القدرة على شراء الغذاء معيار أساسي لنجاح إدارة الاقتصاد، ولا يمكن فصل الحديث عن الإنجاز عن اختبار بسيط يبدأ بسعر رغيف الخبز.
وفي المقابل، تحتاج حماية المستهلك إلى رقابة فعلية على الوزن والجودة والسعر معًا؛ فتثبيت السعر المعلن لن يحقق الغرض إذا حصل المشتري على كمية أقل، ولذلك يجب أن تكون المواصفات واضحة وقابلة للتحقق.
وبالمثل، ينبغي فحص شكاوى المخابز بأرقام موثقة، لأن تجاهل تكلفة الإنتاج لا يصنع استقرارًا مستدامًا، بينما يسمح الحساب المعلن بتحديد موضع الخلل، ومنع تحويل أي زيادة في الخامات إلى مبرر لزيادات غير محسوبة.
لذلك، فإن المطلوب تدخل يعالج أسباب الغلاء في سلسلة التوريد، ويمنع الممارسات الضارة بالمنافسة حيث تثبت، ويضمن وصول أثر أي انخفاض في التكلفة إلى المستهلك، وفق متابعة معلنة يمكن تقييم نتائجها بوضوح.
أما الاكتفاء بتأجيل الحسم، فيبقي الأسرة وصاحب المخبز داخل دائرة الترقب، دون ضمان يمنع تجدد الأزمة؛ والحكومة التي تملك أدوات التنظيم مطالبة باستخدامها قبل أن يصبح تعديل السعر الحل الوحيد المطروح على الطاولة.
وبين مطلب الزيادة ونفي تطبيقها، تظل الحقيقة الأشد قسوة أن لقمة المصريين أصبحت موضوع انتظار وقلق؛ وهي نتيجة تستوجب مساءلة سياسية عن الحماية الغائبة، وعن حدود ما تستطيع الأسر احتماله في حياتها اليومية.
وأخيرًا، فإن السؤال «فين السيسي ومدبولي؟» يستحق إجابة في السوق، لا في التصريحات؛ إجابة يلمسها الناس في خبز متاح بوزن معلوم وسعر محتمل، لأن مسؤولية الحكم تبدأ بحماية القوت قبل مطالبة أصحابه بمزيد من الصبر.

