كتبت سوزان كراوس ويتبورن أن الذكاء العاطفي لا يعتمد فقط على كبح المشاعر أو إخفائها، بل يرتبط بقدرة الفرد على التوقف لحظة، ومراجعة رد فعله، وتقييم ما إذا كان يعبر بالفعل عما يشعر به. وتوضح أن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن عملية معرفية بسيطة تُعرف بـ"ما وراء المعرفة" قد تمثل المفتاح لتعزيز إدارة المشاعر واتخاذ قرارات أكثر اتزانًا.
ونشرت مجلة سايكولوجي توداي هذا التقرير استنادًا إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة سيدني، تناولت العلاقة بين ما وراء المعرفة والذكاء العاطفي، وكشفت كيف يساعد التفكير في طريقة استجابتنا للمواقف الانفعالية على تحسين تنظيم المشاعر ورفع جودة القرارات.
ما وراء المعرفة.. مفتاح جديد لتعزيز الذكاء العاطفي
قد يواجه أي شخص موقفًا يثير مشاعر الغضب أو الحزن، مثل إلغاء صديق مقرب موعدًا طال انتظاره دون تقديم تفسير كافٍ. وفي مثل هذه اللحظات قد تتزاحم الأفكار السلبية، ويبدأ العقل في تفسير الموقف على أنه تجاهل أو تقليل من قيمة العلاقة، ما يدفع صاحبه إلى كتابة رسالة غاضبة قبل التحقق من حقيقة ما حدث.
ورغم أن المنطق يشير إلى احتمال وجود سبب حقيقي وراء هذا التصرف، فإن المشاعر قد تسبق التفكير. وهنا تبرز أهمية الذكاء العاطفي، الذي لا يعني تجاهل الانفعالات، بل إدارتها بطريقة أكثر وعيًا.
ويرى الباحث رايلي ليكي وزملاؤه أن عملية "المراقبة المعرفية" أو "ما وراء المعرفة" تساعد الإنسان على إدراك الفجوة بين ما يعرفه وما يحتاج إلى معرفته، ثم البحث عن المعلومات اللازمة قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات. ويؤكد الباحثون أن هذه المهارة لا تقتصر على التعلم أو حل المشكلات، بل تمتد أيضًا إلى إدارة المشاعر.
ويوضح الفريق البحثي أن الشخص القادر على مراقبة حالته الانفعالية يستطيع ملاحظة تغير مشاعره، وتقييم شدتها وأسبابها، ثم تحديد ما إذا كانت تستدعي التدخل وضبط النفس قبل التصرف.
اختبارات تكشف أثر التفكير قبل الاستجابة
سعى الباحثون أولًا إلى معرفة ما إذا كانت هناك علاقة بين مهارات ما وراء المعرفة والقدرة على تنظيم المشاعر، ثم اختبروا هذه الفرضية عمليًا.
واعتمدت الدراسة على مواقف حياتية افتراضية، من بينها سيناريو لشخص انتقل إلى مدينة جديدة، ثم اكتشف أن أصدقاءه لم يعودوا يتواصلون معه كما كان يتوقع. وطلب الباحثون من المشاركين اختيار أفضل طريقة للتعامل مع هذا الموقف، سواء بمحاولة تكوين صداقات جديدة، أو التواصل مع الأصدقاء القدامى، أو إنهاء العلاقة معهم، أو توجيه اللوم إليهم.
كما استخدم الباحثون اختبارًا إدراكيًا بسيطًا طلبوا خلاله من المشاركين تحديد أي مربع يحتوي على عدد أكبر من النقاط خلال نصف ثانية فقط، ثم قياس مدى ثقتهم في إجاباتهم.
ولم تكشف الدراسة الأولى سوى ارتباط محدود بين مهارات ما وراء المعرفة وإدارة المشاعر، إلا أن الدراسة الثانية أظهرت نتائج أكثر وضوحًا، بعدما طلب الباحثون من المشاركين تقييم مدى ثقتهم في إجاباتهم المتعلقة بالمواقف الانفعالية. وأدى هذا الإجراء البسيط إلى تحسين جودة استجاباتهم، لأنه دفعهم إلى التفكير بصورة أعمق في مشاعرهم، والانتباه إلى الإشارات الانفعالية، وتقييم مدى ملاءمة ردود أفعالهم قبل التعبير عنها.
ويرى الباحثون أن مجرد التوقف للحظات وتقييم مدى صحة الاستجابة قد يساعد الإنسان على اختيار رد فعل أكثر حكمة واتزانًا، دون الحاجة إلى تدريب طويل أو برامج معقدة.
التوقف قبل الرد يصنع فرقًا في العلاقات
توضح الدراسة أن الشخص الذي يشعر بالغضب من صديق ألغى موعدًا مهمًا يستطيع تجنب تصعيد الموقف إذا منح نفسه وقتًا قصيرًا للتفكير قبل إرسال رسالة غاضبة. وربما يكتشف أن الانتظار حتى تهدأ مشاعره أو التواصل في اليوم التالي يمنحه فرصة لفهم الموقف بطريقة أكثر واقعية.
وتشير النتائج إلى أن كثيرين يدركون أهمية التريث قبل الانفعال، لكن الفرق الحقيقي يكمن في تطبيق هذه القناعة عمليًا. وتؤكد الدراسة أن مراجعة الشخص لرد فعله وسؤاله لنفسه عما إذا كان يتصرف بأفضل طريقة ممكنة قد تكفي لتعزيز الذكاء العاطفي وتحسين جودة قراراته.
وتخلص الدراسة إلى أن اكتساب الذكاء العاطفي لا يحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب، بل يبدأ بخطوة بسيطة تتمثل في إجراء مراجعة سريعة للواقع قبل الاستجابة، وهو ما يمنح الفرد قدرة أكبر على التحكم في مشاعره وبناء علاقات أكثر استقرارًا.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/fulfillment-at-any-age/202607/how-emotionally-intelligent-people-manage-their-emotions

