أعاد الهجوم الذي استهدف منشآت وسفنًا للغاز في ميناء دمياط فتح أحد أكثر الملفات حساسية في مصر، وهو كفاءة منظومة الدفاع الجوي وقدرتها على مواجهة التهديدات الجوية الحديثة، بعد إعلان سلطات عبدالفتاح السيسي أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحريق نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة.

 

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة استمرار التحقيقات وعدم التوصل إلى نتائج نهائية بشأن الجهة المنفذة أو تفاصيل العملية، أعادت الواقعة إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بآليات حماية المنشآت الاستراتيجية في ظل التطور المتسارع للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وصعبة الاكتشاف، والتي أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات أمام أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.

 

منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات


على مدار سنوات، عملت مصر على بناء شبكة دفاع جوي ضخمة تعتمد على منظومات متنوعة المصادر، تضم أنظمة روسية وأمريكية وصينية وفرنسية وألمانية، إلى جانب شبكة من الرادارات بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، ومراكز القيادة والسيطرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، في إطار مفهوم "الدفاع متعدد الطبقات"، الذي يهدف إلى اكتشاف التهديدات الجوية وتتبعها واعتراضها في مراحل مختلفة.

 

وتقوم هذه المنظومة على ربط الرادارات ووسائل الاستطلاع المختلفة داخل شبكة قيادة وسيطرة موحدة، بما يسمح بجمع البيانات وتحليلها بصورة فورية واتخاذ قرار الاعتراض في الوقت المناسب، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التعامل مع أنواع متعددة من الأهداف الجوية، من الطائرات المقاتلة إلى الصواريخ وبعض أنواع الطائرات المسيّرة.

 

لماذا لم تُعترض المسيّرة؟


حتى الآن، لم تعلن الحكومة أو القوات المسلحة تفاصيل فنية بشأن مسار الطائرة المسيّرة، أو توقيت اكتشافها، أو ما إذا كانت قد رُصدت قبل وصولها إلى هدفها، وهو ما يجعل من السابق لأوانه الوصول إلى استنتاجات حاسمة بشأن أسباب نجاح الهجوم.

 

ويؤكد خبراء عسكريون أن أي منظومة دفاع جوي، مهما بلغت درجة تطورها، لا توفر حماية مطلقة ضد جميع التهديدات، خاصة مع تطور الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تعتمد على التحليق على ارتفاعات منخفضة أو مسارات معقدة لتقليل فرص اكتشافها.

 

الأمن القومي يفرض تعزيز حماية المنشآت الحيوية


وتسلط واقعة دمياط الضوء على أهمية المراجعة المستمرة لخطط تأمين المنشآت الاستراتيجية، وفي مقدمتها الموانئ ومحطات الغاز والكهرباء والمطارات والمنشآت العسكرية، باعتبارها أهدافًا محتملة في ظل البيئة الأمنية المضطربة التي تشهدها المنطقة.

 

ويرى الخبراء العسكريون المختصون أن مقتضيات الأمن القومي تفرض وجود وحدات دفاع جوي قريبة من المنشآت الحيوية ذات الطبيعة الاستراتيجية، مدعومة بوسائل رصد وإنذار مبكر وأنظمة مخصصة للتعامل مع الطائرات المسيّرة، بما يضمن سرعة اكتشاف أي تهديد والتعامل معه قبل وصوله إلى أهدافه.

 

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل استمرار حالة التوتر العسكري في الشرق الأوسط، واتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في الصراعات الإقليمية، واستمرار المواجهات المرتبطة بالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وهو ما يجعل حماية البنية التحتية الحيوية أولوية أمنية تتطلب تحديثًا مستمرًا لوسائل الدفاع والإنذار، وتوزيعًا مناسبًا لوحدات الدفاع الجوي بما يتوافق مع طبيعة المخاطر المستجدة.