كشفت بلاغات مواطنين في منطقة الأميرية شمال القاهرة عن استيلاء صاحب محل لقطع غيار السيارات على نحو 150 مليون جنيه، بعدما أوهم ضحاياه باستثمار أموالهم، قبل بيع ممتلكاته والهروب خارج مصر.
وتفضح الواقعة غياب الرقابة الوقائية في دولة تترك المحتالين ينهشون مدخرات الأسر سنوات، ثم تحرك أجهزتها بعد اختفاء الأموال، بينما يتحمل الضحايا وحدهم ثمن الانهيار الاقتصادي والثقة المهدرة والعجز عن استرداد حقوقهم.
وبحسب شهادات المتضررين، استغل المتهم سمعته التجارية وعلاقاته القديمة بالجيران والأصدقاء، وعرض عليهم أرباحا شهرية تتراوح بين 7 و8 في المائة، مستفيدا من الخوف المتزايد من تآكل قيمة المدخرات.
وفي إحدى الحالات، دفعت إنجي جورج مليون و400 ألف جنيه من مدخراتها ومدخرات زوجها، بعدما أقنعها المتهم بتمويل صفقة قطع غيار قادمة من الصين، مقابل اقتسام الأرباح فور وصول البضاعة.
ومن جانب آخر، أكدت إنجي أن غالبية الضحايا كانوا من أصدقاء المتهم ومعارفه، وبعضهم ارتبط به بعلاقات استمرت 30 عاما، ما جعل الشك في نواياه صعبا قبل توقف العوائد واختفائه المفاجئ.
وفوق ذلك، لم تكن الواقعة الأولى خلال الفترة الأخيرة، إذ سبقتها قضية مستريح التبين المتهم بجمع 55 مليون جنيه، إلى جانب تشكيل استولى على أموال ومشغولات ذهبية من تجار بوعود تجارية كاذبة.
ثقة تتحول إلى فخ
يرى الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي أن جرائم المستريح لا تقوم على العلاقة المباشرة بين النصاب وضحيته فقط، لكنها تعتمد على شبكة من الوسطاء والثقة الاجتماعية المتبادلة التي تدفع أعدادا جديدة للاستثمار.
وبالتالي، قد يتحول الضحية الأول إلى وسيلة دعاية مجانية للمحتال، عندما يتلقى أرباحا في الشهور الأولى ويشجع أقاربه وأصدقاءه على المشاركة، قبل انهيار المنظومة واختفاء الأموال مع المتهم الرئيسي.
كما أن المحتال يتعمد بناء صورة اجتماعية آمنة، عبر الظهور كتاجر ناجح أو جار معروف أو شخص متدين، مستغلا سنوات المعرفة لتجاوز العقود والضمانات والرقابة التي يفترض أن تحكم عمليات الاستثمار.
ولذلك، لا يعتمد المستريح على الطمع وحده، بل يستفيد من حاجة الأسر إلى حماية أموالها من التضخم، ومن عجز كثيرين عن فهم الأدوات المصرفية أو الوصول إلى استثمارات قانونية بعوائد مناسبة.
ومن ثم، تصبح الوعود بأرباح شهرية مرتفعة أكثر جاذبية في مجتمع تتراجع فيه قيمة الرواتب والمدخرات، بينما ترتفع أسعار العقارات والذهب والسلع، ويشعر المواطن بأن أمواله تفقد قوتها الشرائية يوميا.
علاوة على ذلك، يلفت عصام فوزي إلى أن الظاهرة قديمة وليست طارئة، إذ ظهرت صور مشابهة منذ أربعينيات القرن الماضي، عندما استهدف محتالون تجار القطن الذين حققوا ثروات خلال الحرب العالمية.
وبناء على ذلك، فإن استمرار الظاهرة لعقود يكشف فشل المعالجة الأمنية التقليدية، لأنها تركز على ضبط المتهم بعد سقوط الضحايا، من دون تفكيك الشبكات الاجتماعية والاقتصادية التي تمنحه الثقة والقدرة على جمع الأموال.
رقابة تأتي متأخرة
يقول الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود إن وقائع تشغيل الأموال تنتشر بصورة أوضح في البيئات التي تتجاوز فيها الثقة حدود العقود المكتوبة، خصوصا داخل القرى والمناطق التي تربط سكانها علاقات عائلية ودينية ممتدة.
وفي هذا السياق، قد يرهن الضحايا أراضيهم أو يبيعون ذهب أسرهم أو يضعون مدخرات سنوات لدى شخص يعرفونه، اعتمادا على سمعته وعائلته ومشاركته لهم المناسبات ودور العبادة نفسها.
وفي الوقت نفسه، تكشف هذه القضايا محدودية الرقابة على جمع الأموال من الجمهور، إذ يستطيع المتهم تلقي ملايين الجنيهات لفترات طويلة، قبل أن تلتفت الجهات المختصة إليه بعد البلاغات أو توقف السداد.
وبالرغم من ضخامة المبالغ المتداولة، لا تظهر الإجراءات الوقائية بوضوح، فلا توجد تحذيرات محلية مبكرة أو متابعة فعالة للإعلانات والوعود الاستثمارية، ولا آلية سهلة تسمح للمواطن بالتحقق من قانونية النشاط قبل الدفع.
كذلك، يظل التدخل الأمني مرتبطا غالبا بالنتيجة لا بالمقدمات، فتبدأ عمليات جمع التحريات وملاحقة المتهمين بعد السفر أو الاختفاء، عندما تكون الممتلكات قد بيعت والأموال نقلت وفرص استردادها أصبحت أكثر تعقيدا.
ومن ناحية أخرى، يرى وليد محمود أن الضحايا ليسوا ساذجين بالضرورة، لأن قراراتهم تتشكل داخل أزمة اقتصادية خانقة، مع ارتفاع الأسعار وضعف العائد الحقيقي للمدخرات وغياب الثقافة الاستثمارية الواسعة.
إضافة إلى ذلك، يؤدي غياب البيانات الرسمية عن الشركات والأفراد المرخص لهم بجمع الأموال إلى ترك المواطنين أمام السمعة الشخصية، وهي أداة يسهل على المحتال صناعتها عبر العوائد المؤقتة والمظاهر الاجتماعية والتجارية المضللة.
اقتصاد يغذي الاحتيال
يوضح الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الوعود بأرباح مرتفعة وثابتة تخالف طبيعة الاستثمار الذي يرتبط بالمخاطر وتقلب الأسواق، مؤكدا أن العائد غير المنطقي يجب أن يكون أول مؤشرات الاشتباه في عمليات توظيف الأموال.
وأمام ذلك، تبدو الأرباح الشهرية بين 7 و8 في المائة إشارة واضحة إلى نموذج غير قابل للاستمرار، لأن تحقيق هذه النسب بصورة منتظمة يتجاوز قدرة غالبية الأنشطة التجارية المشروعة على توليد الأرباح.
وبموازاة ذلك، تعتمد هذه النماذج غالبا على دفع أرباح المودعين القدامى من أموال المنضمين الجدد، وليس من نشاط اقتصادي حقيقي، حتى يتوقف تدفق الأموال وينهار النظام بالكامل فوق رؤوس الضحايا.
وعوضا عن حماية المواطنين بالتوعية والرقابة المبكرة، تكتفي الجهات المعنية بتكرار التحذيرات العامة بعد كل قضية، من دون إنشاء نظام رقابي معلن يرصد جامعي الأموال ويوقفهم قبل تضخم أعداد المتضررين.
وفي المقابل، يوفر التضخم وتراجع الجنيه بيئة مثالية للمحتالين، لأن المواطن الذي يخشى ضياع قيمة مدخراته يصبح أكثر استعدادا لقبول المخاطرة، خصوصا عندما يقدم العرض شخصا يعرفه ويثق فيه منذ سنوات.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل انتشار المستريحين عن السياسات الاقتصادية التي أضعفت قيمة العمل والدخل، وأغلقت مسارات الاستثمار أمام صغار المدخرين، ودفعتهم نحو الأسواق غير الرسمية بحثا عن عائد يحمي أموالهم.
وفي المحصلة، تكشف قضية الأميرية أن الأمن لا يزال يطارد آثار الجريمة بعد وقوعها، بينما يسبق المستريحون أجهزة الرقابة بخطوات، ويجمعون الملايين تحت أعين الجميع قبل أن يختفوا ويتركوا الضحايا للخراب.
وفي الختام لن تتوقف مطاردة المستريحين لمدخرات المصريين بمجرد القبض على متهم جديد، ما لم تبدأ الرقابة قبل البلاغات، وتفرض شفافية على جمع الأموال، وتحاسب الجهات التي لا تتحرك إلا بعد ضياع كل شيء.

