حوّل اللواء سمير فرج ظهوره الإعلامي إلى منصة جديدة لمدح قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مقدما إياه باعتباره الأكثر تعلما بين القيادات المصرية، وصاحب تجربة عسكرية نادرة جمعت بين العقيدتين الغربية والشرقية، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن تدينه الشخصي والتزامه بالصلاة والصيام.

 

غير أن هذا المديح المفرط لم يمر من دون سخرية وانتقادات، بعدما أعاد ناشطون التذكير بتصريحات سابقة للسيسي نفسه، تحدث فيها عن إبعاد أبنائه عن المساجد خوفا من تأثرهم بأفكار دينية، كما شكك آخرون في الصورة التي رسمها فرج عن تفوقه العلمي واللغوي.

 

وبينما حاول اللواء السابق تقديم السيسي بوصفه قائدا استثنائيا يجمع العلم والعقيدة والتدين، بدا الخطاب أقرب إلى حلقة جديدة من صناعة صورة الزعيم الكامل، حيث تتحول الشهادات الشخصية إلى أدوات دعائية، ويصبح المديح بديلا عن مناقشة النتائج والسياسات والمسؤوليات.

 

 

محاولة لصناعة صورة زائفة للزعيم الذي لا يخطىء

 

قال اللواء سمير فرج إن السيسي أكثر القيادات تعلما في مصر، مستندا إلى دراسته في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعرفته بالعقيدة العسكرية الغربية، ثم دمجها بالعقيدة الشرقية التي تلقاها داخل المؤسسة العسكرية المصرية.


 

وتكشف صياغة فرج حجم المبالغة منذ اللحظة الأولى، إذ لم يكتف بالقول إن السيسي حصل على دورات أو بعثات عسكرية، وإنما منحه لقب الأكثر تعلما بين جميع القيادات المصرية، من دون معيار واضح أو مقارنة موثقة أو سند أكاديمي منشور.

 

فالتعليم العسكري بالخارج لا يجعل صاحبه تلقائيا الأكثر علما أو كفاءة، كما أن حضور دورات في مؤسسات غربية لا يساوي بالضرورة إجادة لغتها أو استيعاب مناهجها أو القدرة على تحويلها إلى سياسات ناجحة داخل الدولة.

 

كما أن الحديث عن دمج العقيدة الغربية بالعقيدة الشرقية يبدو تعبيرا ضخما يصعب قياسه أو التحقق من آثاره، ويستخدم لغة تمنح السيسي صورة المنظر العسكري الكبير، من دون تقديم أمثلة عملية توضح طبيعة هذا الدمج أو نتائجه.

 

وفي المقابل، سخرت سعاد من رواية الدراسة في الولايات المتحدة وبريطانيا، متسائلة كيف درس السيسي هناك بينما لا يجيد الإنجليزية، ومشيرة إلى ما وصفته بفشله في بعثة أمريكية استنادا إلى رواية منسوبة إلى مدرسته هناك.

 

 

ولا تثبت هذه التغريدة وحدها حقيقة مستوى السيسي اللغوي أو تقييم بعثته، لكنها تكشف اتساع فجوة الثقة بين الرواية الرسمية التي تصنع منه قائدا استثنائيا، والانطباعات الشعبية التي ترى في هذا المديح مادة للسخرية أكثر من كونها شهادة موضوعية.

 

ويزداد التناقض حين يجري اختزال القيادة في الشهادات والدورات الخارجية، بينما تقاس كفاءة الحكام عادة بنتائج إدارتهم للدولة، ومستوى الاقتصاد، وحماية الحقوق، وكفاءة المؤسسات، وقدرتهم على مواجهة الأزمات، لا بعدد البلاد التي زاروها للدراسة.

 

ومع ذلك، يكرر أنصار السلطة منطق السيرة الشخصية المثالية، فيقدمون كل محطة في حياة السيسي بوصفها دليلا على العبقرية والتفرد، حتى إن لم تنعكس هذه الصورة على واقع المصريين أو على أداء مؤسسات الدولة.

 

 

تدين تحت الطلب

 

لم يتوقف سمير فرج عند المؤهلات العسكرية، بل قال إن السيسي كان ملتزما بأداء الصلاة في المسجد في وقتها، ولم يكن يفوتها، كما كان يصوم يومي الاثنين والخميس بانتظام، في محاولة لإضافة بعد ديني إلى صورة القائد المتفوق.

 


 

 

ويمثل هذا النوع من الخطاب انتقالا واضحا من التقييم السياسي إلى التزكية الدينية، حيث يصبح المسؤول ليس فقط الأكثر تعلما، بل أيضا الأكثر التزاما وتدينا، وكأن المطلوب تقديم شهادة شاملة تمنحه الأفضلية في كل مجال.

 

وتبدو المفارقة أكثر وضوحا حين تصدر هذه الشهادة من شخصية عسكرية وإعلامية مقربة من السلطة، لا من وثيقة أو واقعة عامة يمكن التحقق منها، ما يحول الحياة الشخصية للرئيس إلى مادة دعائية تستخدم لتعزيز الولاء السياسي.

 

كما أن الصلاة والصيام، بوصفهما عبادتين شخصيتين، لا ينبغي تحويلهما إلى أدوات لتبرير الحكم أو تحصين المسؤول من النقد، لأن صلاح السياسات لا يقاس بعدد النوافل، ولا تختفي أخطاء الدولة بمجرد الحديث عن تدين الحاكم.

 

وقد استنكر باسل شهادة فرج، مذكرا بأن السيسي قال في لقاء متلفز إنه لم يكن يسمح لأولاده بالذهاب إلى المسجد، خوفا من تأثرهم بأفكار قد يراها متشددة أو غير مناسبة.

 


 

 

ويضع هذا التذكير خطاب فرج أمام تناقض واضح، فكيف يقدم السيسي بوصفه شديد الارتباط بالمسجد، بينما تنسب إليه تصريحات تتحدث عن إبعاد أبنائه عنه خشية ما قد يسمعونه داخله.

 

وقد تختلف الظروف أو التفسيرات بين الموقفين، لكن المبالغة الدعائية هي التي صنعت التناقض، لأن تقديم صورة بلا ظلال يجعل أي تصريح سابق كافيا لهدمها أو كشف عدم اتساقها.

 

ويعكس هذا الخطاب أيضا محاولة قديمة لاستخدام التدين الشخصي في صناعة الشرعية، رغم أن السلطة نفسها توسعت في السيطرة على المساجد والخطاب الديني، وفرضت قيودا على الدعاة والخطباء، وحددت موضوعات الخطب ومحتواها.

 

ومن ثم، يبدو الحديث عن التزام السيسي بالمسجد منفصلا عن واقع إدارة الدولة للمجال الديني، حيث لا تترك السلطة للمساجد استقلالا، لكنها تستدعي صورتها عندما تحتاج إلى تقديم الحاكم في هيئة المؤمن الورع.

 

 

تطبيل بلا حدود

 

لا تكمن المشكلة في أن يروي سمير فرج ذكرياته أو انطباعاته الشخصية، وإنما في تحويل هذه الانطباعات إلى أحكام مطلقة تضع السيسي فوق كل القيادات، وتمنحه تفوقا علميا وعسكريا ودينيا لا يقبل النقاش.

 

فالمديح هنا لا يقدم معلومة محددة بقدر ما يصنع أسطورة، تبدأ من الدراسة في الغرب، ثم الانتقال إلى دمج العقائد العسكرية، وتنتهي بصورة الرئيس الذي لا يفوت صلاة ويصوم يومين كل أسبوع.

 

وهذا النمط من الخطاب لا يساعد السلطة بقدر ما يفضح حاجتها المستمرة إلى التلميع، لأن القائد الواثق من إنجازاته لا يحتاج إلى من يقدمه باعتباره الأكثر علما والأشد تدينا والأوسع خبرة في كل مناسبة.

 

كما أن التطبيل المفرط يأتي في وقت يواجه فيه المصريون أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، ما يجعل الحديث عن تفوق السيسي الشخصي منفصلا عن السؤال الأهم، وهو ماذا قدم هذا التفوق المفترض للناس في حياتهم اليومية.

 

فإذا كان السيسي قد جمع بين أفضل ما في العقيدتين الشرقية والغربية، فلماذا لا يناقش أنصاره نتائج هذه الخبرة بلغة الأرقام والمحاسبة، بدلا من الاكتفاء بالشهادات الشخصية والأوصاف الفضفاضة.

 

وإذا كان الأكثر تعلما بين القيادات، فلماذا يحتاج الإعلام إلى تكرار هذه العبارة بدلا من ترك السياسات والقرارات تكشف مستوى هذا التعليم وقدرته على إدارة الدولة.

 

أما استدعاء التدين، فيحمل دلالة أكثر خطورة، لأنه يخلط بين الإيمان والولاء السياسي، ويدفع الجمهور إلى تقييم المسؤول من خلال عباداته الخاصة، بدلا من محاسبته على حقوق الناس وحرياتهم وأموالهم.

 

وفي النهاية، لم يقدم سمير فرج تقييما متوازنا لشخصية السيسي، بل شارك في بناء صورة دعائية مكتملة الأركان، تصفه بأنه الأعلم والأكثر خبرة والأشد التزاما، بينما تركت التناقضات والأسئلة بلا إجابات.

 

وبذلك، تحولت شهادته من محاولة لمدح الرئيس إلى مادة تكشف طبيعة الخطاب المحيط بالسلطة، حيث لا يكفي الدفاع عن السياسات، بل يجب صناعة زعيم استثنائي لا يخطئ ولا يقصر ولا ينافسه أحد.

 

لكن في النهاية كلما ارتفع سقف التطبيل، زادت سهولة إسقاطه، لأن الجمهور لا يقارن الكلمات بكلمات أخرى، بل يقارنها بواقعه وبالتصريحات السابقة وبالنتائج التي يراها كل يوم.