تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية في مشهد جمع بين القتل المباشر والاستهداف الممنهج للعاملين في القطاعات الإنسانية، وتهديد المؤسسات التعليمية بالهدم، واعتقال الجرحى من سيارات الإسعاف، إلى جانب الاقتحامات الواسعة للمدن والمخيمات والقرى، واعتداءات المستوطنين على البنية التحتية.

وبينما ارتفعت حصيلة غارة استهدفت مركبة في حي الصبرة بمدينة غزة إلى أربعة شهداء، بينهم الطفل الذي توفي متأثرا بجراحه، استمر القصف وعمليات النسف وإطلاق النار في مناطق متعددة من القطاع، بالتوازي مع حملة عسكرية متصاعدة في الضفة الغربية، في وقت تحولت فيه صور الجوع والنزوح والدمار إلى وثيقة إنسانية في مهرجان عمّان للصورة، لتقدم المشهد الفلسطيني بصفته مأساة ممتدة بين القصف والحصار والهدم والاعتقال.

 

 

اغتيال مسؤول باللجنة المصرية واستمرار القصف في غزة

 

اغتال طيران الاحتلال الإسرائيلي مدير العلاقات العامة باللجنة المصرية لإعادة إعمار غزة، محمد فواز الوحيدي المعروف باسم أبو صهيب، بعد استهداف المركبة المدنية التي كان يستقلها أثناء تنقله في حي الصبرة بمدينة غزة.

 

وأفادت المصادر الواردة في النص بأن طائرة مسيرة استهدفت المركبة مباشرة، ما أدى إلى استشهاد الوحيدي على الفور، في حادثة أثارت حالة من الحزن الواسع بين العاملين في القطاعات الإنسانية والشخصيات المحلية في غزة.

 

ونقلت المعلومات عن مصدر مسؤول داخل اللجنة المصرية تأكيده نبأ استشهاد الوحيدي، مشيرا إلى حجم الخسارة التي يمثلها غيابه بالنسبة للعمل الإغاثي والتنموي في القطاع، نظرا لدوره في التنسيق والإشراف على عدد من المشروعات الحيوية والإنسانية.

 

كما نعاه أحد أقاربه، عبود الوحيدي، عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت تحدث فيه نشطاء ومسؤولون عن دوره المستمر خلال السنوات الماضية في دعم مشروعات هدفت إلى التخفيف من معاناة السكان في قطاع محاصر ويعيش تحت القصف.

 

وجاء استهداف الوحيدي في سياق متواصل من ملاحقة العاملين في القطاعات الإنسانية والإغاثية والتنموية، وهي قطاعات يفترض أن تمثل خطوط النجاة الأخيرة للمدنيين في ظل الحرب والدمار وانهيار الخدمات الأساسية.

 

ولم يتوقف التصعيد عند اغتيال الوحيدي، إذ استشهد طفل فلسطيني صباح الأربعاء متأثرا بجراحه الناتجة عن القصف نفسه الذي استهدف المركبة في حي الصبرة، ليرتفع عدد شهداء الهجوم إلى أربعة.

 

وكان شقيق الطفل قد استشهد في الغارة ذاتها، قبل أن يلتحق به بعد ساعات من محاولات إنقاذه، في صورة تلخص طبيعة الخسائر التي توقعها الغارات بين المدنيين والعائلات.

 

وبالتزامن مع ذلك، واصل الاحتلال عمليات النسف في المناطق الجنوبية الشرقية من مدينة غزة وفي شمال مدينة رفح، بينما كثفت المدفعية قصفها للمناطق الشرقية من غزة.

 

كما أطلقت قوات الاحتلال قنابل إنارة في سماء شرق حي التفاح، بالتزامن مع إطلاق الطيران المروحي النار باتجاه المناطق الشرقية، ما أدى إلى زيادة حالة الخوف والتوتر بين السكان.

 

وفي شمال القطاع، استمر تحليق الطائرات والتحركات العسكرية، بينما فتحت دبابات الاحتلال نيرانها بكثافة على المناطق الشرقية من مخيم البريج في المحافظة الوسطى.

 

وبحسب النص، تأتي هذه العمليات في ظل ما وُصف بخروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، من خلال القصف وإطلاق النار والنسف واستمرار التحركات العسكرية.

 

ويعني ذلك أن التهدئة المعلنة لا تنعكس على حياة السكان بوصفها أمنا حقيقيا، إذ تظل مناطق واسعة معرضة للقصف وتبقى الأراضي الزراعية والمناطق الحدودية بعيدة عن متناول أصحابها.

 

 

هدم المدارس واقتحام المدن واعتقال الجرحى

 

في الضفة الغربية، صعد الاحتلال استهدافه للقطاع التعليمي بعد إخطار مدرسة الرفاعية الأساسية الواقعة شرق بلدة يطا جنوب الخليل بقرار هدمها خلال 14 يوما، وجاء القرار بعد رفض الاستئناف القانوني الأخير الذي قدم من أجل وقف الهدم، ما وضع مستقبل 150 طالبا وطالبة من الصف الأول حتى السابع أمام خطر مباشر.

 

وتعود المدرسة إلى عام 2016، وتقع إلى الجنوب من قرية الديرات شرق يطا، وتتبع إداريا لبلدية خلة المية، وهي تخدم تجمعات سكانية يهددها الهدم والتضييق المتواصل.

 

ولا تقف الأزمة عند مدرسة واحدة، إذ أشار مدير العلاقات العامة في مديرية تربية وتعليم يطا، جبريل دبابسة، إلى وجود عشر مدارس إضافية تواجه خطر أوامر الهدم أو التنفيذ في أي وقت.

 

ويهدد ذلك المسيرة التعليمية لنحو ألف طالب وطالبة يعيشون في المناطق الواقعة شرق يطا، ما يجعل استهداف المدارس جزءا من ضغط أوسع على التجمعات الفلسطينية.

 

ورغم قرار الهدم، أكد الأهالي والجهات الرسمية تمسكهم بمواصلة العملية التعليمية، حتى إذا أقدمت قوات الاحتلال على تنفيذ القرار فعليا.

 

ويحمل هذا الموقف معنى يتجاوز المدرسة نفسها، لأن استمرار التعليم يتحول في هذه الظروف إلى شكل من أشكال مقاومة سياسة الإخلاء والتضييق.

 

وفي حادثة أخرى، أصيب شاب فلسطيني برصاص قوات الاحتلال قبل أن يعتقل من داخل سيارة إسعاف عند حاجز 300 الرابط بين بيت لحم والقدس المحتلة.

 

وقدمت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني الإسعافات الأولية للشاب بعد إصابته بالرصاص الحي في الفخذ، ثم أجبر الجنود الطاقم على نقله إلى الحاجز.

 

وبدلا من السماح باستكمال علاجه، اعتقلته القوات من داخل سيارة الإسعاف، رغم إصابته وحالته الصحية، في مشهد يضيف بعدا جديدا إلى استهداف الجرحى والرعاية الطبية.

 

ويتكرر في الضفة الغربية اعتقال المصابين بعد إطلاق النار عليهم أو خلال تلقيهم العلاج، ما يعكس طبيعة القيود المفروضة على الحق في الوصول إلى الرعاية الطبية.

 

وفي مخيم العين غرب نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة فجر الأربعاء ونفذت عمليات دهم وتفتيش طالت عددا من المنازل.

 

كما نفذت القوات حملة تحقيق ميداني مع المواطنين واحتجزت عددا من الشبان، ضمن الاقتحامات المتواصلة للمخيمات والمدن والقرى.

 

وامتدت الحملة في اليوم نفسه إلى محافظات متعددة، بينها جنين وقلقيلية وأريحا ونابلس وطولكرم والخليل والقدس.

 

في جنين، اقتحمت القوات منزل عائلة الشهيد نور الدين فياض في منطقة واد برقين واعتقلت والده، كما داهمت منازل في قرية عابا وأطلقت قنابل الإنارة بكثافة.

 

وفي قلقيلية، اعتقلت الشاب محمد حسان محيسن من قرية الفندق، ثم اعتقلت خالد شوباش بعد مداهمة منزله في المدينة.

 

وفي أريحا، اقتحمت القوات مخيم عقبة جبر وداهمت أحد المنازل، كما اقتحمت بناية سكنية في شارع القدس.

 

وفي نابلس، أقدم مستوطنون على اقتلاع أعمدة الكهرباء في منطقة نبع رأس العين غرب بلدة قصرة، في اعتداء استهدف البنية التحتية.

 

كما اقتحمت القوات بلدة عقربا ودخلت مدينة نابلس عبر حاجز دير شرف ووصلت إلى محيط مخيم العين.

 

وفي طولكرم، اقتحم الجنود الحي الشرقي وأطلقوا قنابل الصوت، بينما شهدت الخليل اقتحام منطقة قيزون.

 

أما في القدس، فاقتحمت القوات بلدة حزما، واندلعت مواجهات في محيط مخيم قلنديا، كما أقيم حاجز طيار أعاق حركة المركبات.

 

وتعكس هذه الوقائع اتساع نطاق العمليات العسكرية في الضفة، فلم يعد التصعيد يتركز في منطقة واحدة، بل ينتقل بين المدن والمخيمات والقرى في توقيتات متقاربة.

 

 

الصورة تحفظ ما يحاول القصف محوه

 

في موازاة القتل والهدم والاقتحامات، حضرت غزة بقوة في فعاليات الدورة الرابعة عشرة من مهرجان عمّان للصورة، حيث تحولت الأعمال الفوتوغرافية إلى شهادة بصرية على الجوع والنزوح والدمار.

 

واستمر المهرجان شهرا كاملا تحت شعار خلف الكواليس، بمشاركة عشرات المصورين والفنانين من أربع قارات.

 

ورغم تنوع القضايا المعروضة بين الحرب واللجوء والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، ظلت القضية الفلسطينية وخصوصا حرب غزة في صدارة المشهد.

 

وشكل معرض قائمة طعام غزة إحدى أبرز محطات الدورة، من خلال مشروع مشترك للصحافي الإسباني ميكيل أياستاران والمترجم الفلسطيني كايد حماد، بينما التقطت الصور داليا حماد.

 

ركز المشروع على الحياة اليومية لعائلة فلسطينية اضطرت إلى النزوح مرات متعددة هربا من القصف، وحولت الوجبة اليومية إلى وسيلة لتوثيق الحرب.

 

كانت الأم أمل حماد تسجل يوميا ما استطاعت توفيره من طعام لعشرة أفراد يعيشون تحت سقف واحد.

 

وفي بعض الصور ظهر طبق فارغ التف حوله أفراد العائلة، في مشهد اختصر حقيقة المجاعة التي فرضها الحصار والقصف على السكان.

 

لم يكن المعرض عن الطعام بالمعنى التقليدي، بل عن فقدان الطعام وتحوله إلى معركة يومية للبقاء.

 

وبدأت هذه اليوميات عبر منشورات على منصة إنستغرام بعد السابع من أكتوبر 2023، قبل أن تتحول إلى كتاب ومعرض فوتوغرافي.

 

ووصلت العائلة إلى إسبانيا في يونيو 2025 بعد إجلائها عبر الأراضي الأردنية، لكنها وصلت بعد فقدان ابنها عمر خلال الحرب.

 

وقال أياستاران إن الهدف لم يكن تصوير الطعام بحد ذاته، بل توثيق الحياة تحت الحصار، لأن تفاصيل الوجبة تكشف حجم المأساة الإنسانية التي لا تظهر دائما في أرقام الشهداء.

 

وأكدت مديرة المهرجان ليندا الخوري أن الصورة استخدمت بوصفها وسيلة للدفاع عن الإنسان وحقوقه، ومنصة للحوار بين الثقافات من خلال الفن.

 

ورغم مشاركة أكثر من ثلاثين معرضا تناولت قضايا من سوريا واليمن وليبيا والمكسيك وغيرها، بقيت صور غزة الأشد حضورا وتأثيرا.

 

وهكذا، تحولت العدسة إلى أداة لحفظ الذاكرة، في وقت تحاول فيه الحرب تدمير البيوت والأحياء والطرق والمؤسسات، بل وحتى القدرة على رواية ما حدث.

 

وفي المشهد الفلسطيني الأوسع، تتجمع الوقائع في صورة واحدة قاسية، فمسؤول إغاثي يغتال داخل مركبة، وطفل يموت متأثرا بجراحه، ومدرسة تواجه الهدم، وجريح يعتقل من سيارة إسعاف.

 

وبينما تداهم القوات المنازل وتعتقل السكان وتقطع الطرق، يواصل المستوطنون استهداف البنية التحتية، وتستمر عمليات النسف والقصف في غزة.

 

لكن في مواجهة ذلك كله، يصر الأهالي على استمرار التعليم، وتواصل الطواقم الطبية عملها، ويواصل المصورون توثيق الجوع والدمار.

 

لذلك لا تبدو القضية الفلسطينية في هذه الوقائع مجموعة أحداث منفصلة، بل مسارا واحدا من الضغط يمتد من استهداف الإنسان إلى استهداف المدرسة والمركبة وسيارة الإسعاف والصورة والذاكرة.

 

وفي النهاية، يظل الفلسطيني محاصرا بين القصف والاعتقال والهدم، لكنه يواصل البقاء ورواية ما يحدث، بينما تتحول الصورة والشهادة والمدرسة والعمل الإغاثي إلى خطوط دفاع أخيرة أمام محاولة محو الحياة نفسها.