سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
بلغ عمر الدولة الأميركية، السبت الماضي، 250 عامًا، إذ أُعلن استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في 4 يوليو 1776. وخلال هذه الفترة القصيرة في أعمار الدول والشعوب، أصبحت الولايات المتحدة قوّةً عظمى. وبعد عقود من اقتسام قيادة العالم مع الاتحاد السوفييتي السابق، تمكّنت من تفكيكه واعتلاء سدّة النظام العالمي، فانفردت بقيادة العالم، وأضافت لقب "الوحيدة" إلى صفة القوّة العظمى، لتثبت في أعوام قليلة صورة الدولة الأقوى ومكانتها لدى مختلف شعوب الأرض، الأعداء قبل الحلفاء. وكما صعد القطب الأميركي بسرعة خارقة، يتّجه حاليًا إلى الانحدار بوتيرة فائقة السرعة. والمحفّزات التي دفعت الأميركيين إلى بناء إمبراطورية عالمية كبرى تقود العالم، هي نفسها التي تشير حاليًا إلى انحسار قوّتها وتراجعها، وربّما إلى انهيارها في وقت قريب.
استندت القوّة الأميركية إلى "حُلم" لدى أولئك المهاجرين الوافدين من شتّى بقاع الأرض. حُلم ببناء مستقبل لهم ولأبنائهم، وتأسيس حياة متكاملة مزدهرة قوامها الحرّية والإنجاز وتقديم النموذج. وهي أسس تطلّبت تأمين المساواة وتوافر العدالة وتكافؤ الفرص من دون إقصاء أو تمييز.
لم يكن ذلك الحُلم الأميركي نتاج القوّة العسكرية ولا التقدّم الاقتصادي أو التفوق العلمي والامتياز التكنولوجي. فنقاط القوّة هذه لم تكن سببًا وراءه أو محفّزًا عليه، وإنّما كانت نتاجًا للإيمان بالحُلم وتجلّيات عملية له. وبصفة خاصّة للأجيال الأولى من الأميركيين الذين كانوا مدفوعين بأوضاعهم السيئة في البلدان التي قدموا منها.
وكان لتعدّد روافد المهاجرين إلى أميركا دور أساس في تأسيس ذلك النموذج المتفرّد، إذ بات التنوّع والاختلاف مصدرًا للوحدة والانصهار في بوتقة واحدة قوامها الاجتهاد والسعي إلى التفوّق، من أجل تعظيم الدولة المستجِدّة التي تجسّد لكلّ منهم الحاضر والمستقبل، وترمز إلى هُويّة جديدة يرسم أصحابها ملامحها بعقولهم ويشكّلونها بأيديهم.
اكتسبت الولايات المتحدة تماسكها وعنفوانها من "الفكرة" الكامنة وراء التأسيس، والقائمة على حقّ الجميع في تحصيل المكاسب ونيل المناصب. في إطار من الشفافية والحوكمة والتشاركية، ليس فقط بين الأفراد، لكن داخل المجتمع كلّه، بما ينعكس في النهاية على الدولة، بالانسجام بين الفرد والدولة معًا في الحقوق والواجبات، وتقاسمهما الأعباء والعوائد.
وبعد 250 عامًا، خمدت سخونة الانصهار المجتمعي، وتراجع اشتياق المهاجرين إلى وطن وهُويّة، وبدأت التباينات الهُويّاتية تظهر بين الأميركيين، إلى حدّ أنّ موجات الهجرة المستجِدّة باتت مرفوضةً وغير مرحَّب بها في بلد الهجرة والمهاجرين.
في الوقت ذاته، بلغت الشوفينية الأميركية أقصى درجاتها على أيدي اليمين الأميركي الذي يزداد انتشارًا وهيمنةً في المجتمع الأميركي. حتّى إنّ تلك الشوفينية بدأت تمتدّ، فضلًا عن بقية العالم خارج الحدود، بقية الأميركيين غير اليمينيين. وليست الحركات اليمينية مثل "ماغا" وغيرها إلّا مظاهرَ صارخةً على ارتداد الأميركيين إلى مرحلة ما قبل الاستقلال، وما تلاها من الحرب الأهلية. وقد كشفت أزمة الكابيتول (اقتحام مبنى الكونغرس في 6 يناير 2021)، شرخًا عميقًا في المجتمع الأميركي، وغياب التوافق المجتمعي الذي ظلّ لقرنَين ونصف القرن محرّكًا لتقدّم الأميركيين وعظمتهم.
وبدلًا من النمط التقليدي لقيادة تاريخية استثنائية تقود الدولة في أوقات الأزمة نحو التماسك والتقدّم، وتُخرجها من أزماتها، تقدّم واشنطن نموذجًا عكسيًا، يتولّى فيه دونالد ترامب تدمير الحُلم الأميركي، فيرفع شعار "لنجعل أميركا عظيمةً ثانيةً"، بينما يقوّض ما بقي من مظاهر تلك العظمة، ويحوّل أرض الأحلام إلى جزيرة منعزلة تتعالى على العالم، وتتمسّك بسيطرتها عليه، رغم أنّه يفقدها بنفسه، وبسرعة، مقوّمات تلك السيطرة وأسس تماسكها الداخلي.

