تكشف صفاء عاشور وتسنيم منير، في هذا التحقيق، عن فجوة كبيرة في سياسات حماية الصحفيات داخل المؤسسات الإعلامية المصرية، إذ يدفع غياب آليات واضحة لمواجهة التحرش الإلكتروني والعنف الرقمي كثيرًا من الصحفيات إلى التزام الصمت خوفًا من الوصم الاجتماعي أو الانتقام المهني أو فقدان وظائفهن، ما يكرّس بيئة عمل تفتقر إلى الأمان ويحد من قدرة النساء على المطالبة بحقوقهن.


ويشير تحقيق منصة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) إلى أن معظم المؤسسات الإعلامية التقليدية في مصر تفتقر إلى سياسات مكتوبة لمكافحة التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما لا توفر نقابة الصحفيين آليات حماية فعالة لجميع الصحفيات، خصوصًا غير المقيدات بعضويتها. ويخلص التحقيق إلى أن هذا الواقع يدفع الضحايا إلى الاستقالة أو الصمت بدلًا من اللجوء إلى الشكوى الرسمية.


التحرش الإلكتروني داخل المؤسسات الإعلامية يدفع الصحفيات إلى الصمت


يرصد التحقيق شهادات لعدد من الصحفيات اللاتي تعرضن لأشكال مختلفة من التحرش الإلكتروني والانتهاكات المهنية على أيدي زملاء أو مسؤولين داخل مؤسسات إعلامية. وتروي إحدى الصحفيات، التي أطلق عليها اسم مستعار حفاظًا على خصوصيتها، كيف بدأ الأمر برسائل متكررة عبر تطبيقات التواصل ودعوات للقاء خارج أوقات العمل، قبل أن يتطور إلى تدخلات في حياتها الشخصية ومظهرها.


وتكشف التحقيقات أن غالبية الضحايا فضلن مغادرة أماكن العمل بدلًا من تقديم شكاوى رسمية، خشية فقدان فرص العمل أو التعرض لحملات تشويه أو التشكيك في رواياتهن. كما أظهر استطلاع أجراه معدتا التحقيق أن نسبة كبيرة من الصحفيات تعرضن لشكل من أشكال التحرش، بينما لم تتقدم سوى قلة منهن ببلاغات رسمية.


غياب السياسات المؤسسية يفاقم أزمة حماية الصحفيات


يوضح التحقيق أن عددًا محدودًا فقط من المؤسسات الإعلامية يمتلك سياسات واضحة للتعامل مع شكاوى التحرش، في حين تعتمد أغلب المؤسسات التقليدية على حلول غير رسمية أو قرارات إدارية فردية دون وجود لوائح معلنة أو إجراءات واضحة للمساءلة.


ويشير التحقيق إلى أن بعض المنصات الإعلامية المستقلة، مثل "المنصة" و"باب مصر" وغيرها، وضعت آليات داخلية لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، من بينها تشكيل لجان مستقلة والحفاظ على سرية بيانات المبلغات. ومع ذلك، يؤكد خبراء في الأمن الرقمي أن هذه السياسات لا تزال تفتقر إلى بنود متخصصة لحماية الصحفيات من الاختراقات الرقمية أو المراقبة الإلكترونية داخل بيئة العمل.


كما يعرض التحقيق حالة صحفية اكتشفت مراقبة حساباتها الإلكترونية داخل المؤسسة التي تعمل بها، لكنها فضلت مواجهة المسؤولين مباشرة بدلًا من تقديم شكوى بسبب غياب أي سياسة واضحة تحميها.


إصلاحات قانونية ونقابية مطلوبة لتعزيز بيئة العمل الآمنة


يلفت التحقيق إلى أن الإطار القانوني الحالي لا يواكب التطورات المتسارعة في جرائم التحرش الإلكتروني، إذ يخلو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من نصوص صريحة تتناول التحرش الجنسي عبر الوسائل الرقمية، بينما يؤدي تضارب الاختصاصات بين المحاكم إلى إطالة أمد التقاضي وضعف فرص إنصاف الضحايا.


وينقل التحقيق آراء قانونيين وخبراء حقوقيين دعوا إلى تحديث التشريعات بما يراعي التطورات التقنية، خاصة مع تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مسيء أو مفبرك يستهدف النساء.


ويتناول التحقيق كذلك دور نقابة الصحفيين، موضحًا أن لجنة المرأة استقبلت عددًا محدودًا من الشكاوى خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار تردد كثير من الصحفيات في الإبلاغ. كما تعمل النقابة على إعداد مدونة سلوك تدعو المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد سياسات واضحة لمكافحة التحرش والتنمر والتمييز، مع توفير آليات آمنة لتلقي الشكاوى وضمان حماية المبلغات.


ويخلص التحقيق إلى أن غياب السياسات المؤسسية، وتعقيد الإجراءات القانونية، وضعف الحماية النقابية، كلها عوامل تدفع الصحفيات إلى الصمت أو مغادرة المهنة، بينما تبقى الحاجة ملحة إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية تضمن بيئة عمل آمنة تحترم الكرامة المهنية وتوفر الحماية من التحرش والعنف الإلكتروني.

 

https://en.arij.net/investigation/forced-silence-the-absence-of-safeguarding-policies-for-women-journalists-in-egypt-is-preventing-them-from-reporting-online-harassment/