كشف تقرير لجنة الصناعة بمجلس النواب عن خسائر مالية كبيرة بلغت 393 مليون جنيه، نتيجة تعثر مشروعي شتلات قصب السكر بمحافظة أسوان ومصنع الرمان بمحافظة أسيوط، وهما من أبرز المشروعات التابعة لهيئة تنمية الصعيد التي أنشئت بالقانون رقم 157 لسنة 2018 بهدف تنفيذ مشروعات تنموية واقتصادية تسهم في استغلال موارد محافظات الصعيد وخلق فرص عمل وتحقيق قيمة مضافة للإنتاج المحلي.
وتكشف تفاصيل المشروعين عن فجوة كبيرة بين الأهداف التي أُعلنت عند التنفيذ والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، فالمشروع الأول كان يستهدف إحداث نقلة في زراعة قصب السكر باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بينما أُنشئ المشروع الثاني لاستغلال إنتاج أسيوط من الرمان وتحويله من محصول يصدر خامًا إلى منتجات مصنعة ذات قيمة اقتصادية أكبر. لكن المشروعين، وفق ما ورد في التقرير، واجها تعثرًا وفشلًا في التشغيل والإدارة، ما أدى إلى ضياع استثمارات ضخمة دون تحقيق النتائج المستهدفة للمزارعين أو الاقتصاد المحلي.
مشروع شتلات القصب.. 280 مليون جنيه انتهت إلى الفشل
أنشأت هيئة تنمية الصعيد مشروع شتلات قصب السكر بمحافظة أسوان بتكلفة استثمارية بلغت 280 مليون جنيه، وكان الهدف الأساسي منه تطوير أساليب زراعة القصب والانتقال من الطرق التقليدية إلى استخدام شتلات عالية الجودة يتم إنتاجها وفق تكنولوجيا حديثة تساعد على زيادة إنتاجية الفدان وتقليل استهلاك المياه.
وكان المشروع يُقدم باعتباره الأول من نوعه في الشرق الأوسط وإفريقيا، إذ استهدف سد جزء من الفجوة بين إنتاج السكر والاستهلاك المحلي، إلى جانب رفع كفاءة زراعة القصب والتخلي عن أسلوب زراعة العقل والاعتماد على الري بالغمر، الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه.
وأقيمت محطة المشروع في كوم أمبو على مساحة 26 فدانًا، واعتمدت على أنظمة الري الحديثة بالتنقيط، في محاولة لتوفير ملايين الأمتار المكعبة من مياه النيل. كما كان مخططًا أن تنتج المحطة نحو 15 مليون شتلة خلال الموسم الواحد، وهي كمية تكفي لزراعة نحو 4000 فدان سنويًا.
ووفق الأهداف التي أُعلنت عند إنشاء المشروع، كان يفترض أن توفر هذه الشتلات جودة جينية مرتفعة، وأن تكون خالية من الآفات والأمراض، بما يساعد المزارعين على زيادة إنتاجية الفدان من نحو 33 طنًا من القصب إلى 55 طنًا.
لكن النتائج جاءت بعيدة عن هذه الأهداف، إذ تخلت هيئة تنمية الصعيد لاحقًا عن إدارة المشروع وقامت بتسليمه إلى وزارة الزراعة. وأدى ما وصفه التقرير بالتخبط الإداري وغياب الرؤية التشغيلية المستدامة إلى فشل المشروع بالكامل، وضياع الاستثمارات التي أنفقت عليه دون تحقيق نتائج ملموسة للمزارعين.
وتحول المشروع، الذي كان يفترض أن يمثل نموذجًا لتطوير الزراعة في الصعيد، إلى مثال على مشروعات تبدأ بأهداف كبيرة وتكاليف مرتفعة، ثم تواجه مشكلات في الإدارة والتشغيل تحول دون استفادة الفئات المستهدفة منها، رغم إنفاق مئات الملايين من الجنيهات.
مصنع الرمان.. 113 مليون جنيه ومبنى بلا إنتاج حقيقي
لم يكن مشروع مصنع الرمان بمحافظة أسيوط أفضل حالًا، رغم أنه أنشئ للاستفادة من واحدة من أهم المزايا الزراعية التي تتمتع بها المحافظة. فقد بلغت التكلفة الإنشائية للمرحلة الأولى من المشروع 113 مليون جنيه، وكان الهدف استغلال إنتاج أسيوط الكبير من الرمان، المصنف بين أجود الأنواع عالميًا.
وكان المشروع يستهدف تحويل الرمان من محصول يتم تصديره في صورته الخام إلى منتجات مصنعة تحقق عائدًا أكبر، وتوفر فرص عمل، وتفتح المجال أمام إقامة صناعة محلية تعتمد على المحصول الذي تنتجه مراكز أسيوط بكميات كبيرة.
وأُنشئت خطوط الإنتاج على مساحة 10 أفدنة في المرحلة الأولى، من إجمالي مساحة تبلغ 40 فدانًا بالمنطقة الصناعية في الكوم الأحمر. وكان مخططًا أن تشمل أنشطة المصنع إنتاج عصير الرمان ودبس الرمان والمنتجات المجففة.
كما شملت الخطة إنشاء مصنع متخصص لإنتاج مركزات الرمان والموالح، مع استغلال مختلف مكونات الثمرة، بما في ذلك الزيوت والقشور، لتحقيق أكبر قيمة اقتصادية ممكنة من المحصول وتقليل الفاقد الناتج عن بيع الرمان أو تصديره خامًا.
واستهدف المشروع كذلك استيعاب فائض إنتاج الرمان في مراكز البداري وساحل سليم ومنفلوط، إلى جانب توفير فرص عمل لأبناء الصعيد وتشجيع الصناعات القائمة على المحاصيل الزراعية.
لكن المشروع، وفق ما ورد في تقرير لجنة الصناعة، فشل في تعظيم الاستفادة من إنتاج الرمان، واستمرت المنظومة في تصدير المحصول خامًا دون تشغيل حقيقي للمصنع، كما عجزت الإدارة عن إدخال آليات تصنيع حديثة للاستفادة من فائض الإنتاج.
وبذلك تحول المصنع إلى مبنى معطل، وضاعت فرصة صناعية كان يمكن أن تحقق قيمة مضافة كبيرة للمحصول وتفتح مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل في محافظة أسيوط، خصوصًا أن المشروع أنشئ في منطقة تمتلك بالفعل قاعدة إنتاجية كبيرة من الرمان.
ورش حرفية بلا إشغال ولا عائد اقتصادي
لم تقتصر مشكلات مشروعات هيئة تنمية الصعيد على مشروعي شتلات القصب ومصنع الرمان، إذ أشار تقرير لجنة الصناعة إلى تنفيذ عدد من مشروعات الورش الحرفية في بعض محافظات الصعيد، ضمن خطط لدعم الأنشطة الصغيرة والحرفية.
وتضم هذه المجمعات ما بين 60 و80 ورشة في كل مجمع، وكان من المفترض أن تستوعب أصحاب الحرف والمشروعات الصغيرة، وتساعدهم على بدء أنشطة إنتاجية تسهم في توفير فرص العمل وزيادة النشاط الاقتصادي بالمناطق المستهدفة.
إلا أن نسبة الإشغال في تلك الورش، بحسب التقرير، تكاد تكون منعدمة، ولم تحقق حتى الآن أي عائد اقتصادي، بما يثير تساؤلات بشأن جدوى التخطيط لهذه المشروعات وكيفية اختيار مواقعها وآليات طرحها وتشغيلها.
وتكشف هذه النتائج عن مشكلة تتجاوز تعثر مشروع منفرد، إذ تجمع الحالات الثلاث بين ضخ استثمارات كبيرة والإعلان عن أهداف تنموية واسعة، ثم ضعف التشغيل وعدم تحقيق العائد المتوقع.
فبين مشروع زراعي بلغت تكلفته 280 مليون جنيه وفشل بعد انتقال إدارته، ومصنع بتكلفة 113 مليون جنيه ظل دون تشغيل حقيقي، ومجمعات حرفية تكاد تكون خالية من المستفيدين، تظهر أزمة واضحة في إدارة المشروعات وضمان استمرار تشغيلها بعد إنشائها.
وتضع خسائر المشروعات الثلاثة ملف هيئة تنمية الصعيد تحت تساؤلات واسعة بشأن مصير الأموال التي أُنفقت، وأسباب غياب النتائج، ومدى وجود دراسات تشغيل وتسويق تضمن ألا تتحول المشروعات الجديدة إلى منشآت معطلة بعد إنفاق الملايين عليها.

