كشفت تصريحات وزارة التموين عن اتجاه لتطبيق منظومة دعم نقدي تتضمن رغيفًا مدعمًا بوزن 70 جرامًا في بورسعيد تمهيدًا للتوسع، بما يعني استمرار تقليص الدعم العيني وتقليص القيمة الغذائية التي اعتمدت عليها ملايين الأسر المصرية لعقود.
وبذلك تتجاوز القضية مجرد تعديل فني في منظومة الدعم، لتتحول إلى حلقة جديدة من سياسات يعتبرها منتقدون استنزافًا متواصلًا لحقوق الفقراء، عبر تقليص الدعم تدريجيًا ونقل أعباء الأزمة الاقتصادية إلى المواطنين محدودي الدخل.
ملامح تقليص الدعم
في عام 2014 بلغ وزن الرغيف المدعم نحو 130 جرامًا، قبل أن تبدأ الحكومة سلسلة من التخفيضات المتتالية شملت 120 ثم 110 وصولًا إلى 90 جرامًا، بينما تشير التصورات الحكومية الحالية إلى تقليصه حتى 70 جرامًا.
كما يعكس هذا المسار انخفاضًا إجماليًا يبلغ 46.2% من وزن الرغيف خلال ما يزيد قليلًا على عقد، وهو تراجع يرى مراقبون أنه قلص فعليًا حجم الدعم دون الإعلان عن إلغاء منظومة الخبز المدعم بصورة مباشرة.
علاوة على ذلك بقي عدد الأرغفة المخصصة للفرد ثابتًا عند 5 يوميًا، إلا أن الوزن الفعلي للحصة اليومية تراجع من نحو 600 جرام إلى 350 جرامًا وفق التصور الجديد، بما يعادل فعليًا قرابة 3 أرغفة بالمواصفات القديمة.
في المقابل لم يتوقف التقليص عند الوزن فقط، إذ ارتفع سعر الرغيف المدعم في عام 2024 من 5 قروش إلى 20 قرشًا، بينما تتحدث التصورات الجديدة عن سعر يبلغ جنيهًا ونصفًا للرغيف ضمن نظام الدعم النقدي.
لذلك يجد المواطن نفسه أمام معادلة أكثر قسوة، تتمثل في رغيف أصغر حجمًا وأعلى تكلفة، بينما تتواصل موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات بصورة تضغط على مستويات المعيشة.
ومن ثم تشير الحسابات الغذائية إلى أن الرغيف بوزن 130 جرامًا كان يوفر قرابة 340 سعرة حرارية، بينما يوفر الرغيف المقترح بوزن 70 جرامًا نحو 180 سعرة فقط، بما يعني فقدان ما يقارب نصف قيمته الغذائية.
قراءة اقتصادية واجتماعية
في المقابل يؤكد وزير التموين شريف فاروق أن الهدف من الدعم النقدي يتمثل في تحقيق عدالة أكبر وإتاحة حرية الاختيار للمواطن، مع نفي أن يكون الهدف تقليص فاتورة الدعم أو خفض الإنفاق الحكومي.
غير أن الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق يرى أن تقليص الدعم العيني تاريخيًا يؤدي إلى تراجع الحماية الاجتماعية للفئات الأفقر، خاصة عندما تتآكل القيمة الشرائية للدعم النقدي بفعل التضخم وارتفاع الأسعار.
كذلك يرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن تحويل الدعم إلى مبالغ نقدية دون ربطها تلقائيًا بمعدلات التضخم قد يؤدي إلى فقدان المستفيدين جانبًا كبيرًا من قدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية بمرور الوقت.
بناءً على ذلك يخشى مراقبون من أن تتحول المخصصات النقدية إلى مبالغ ثابتة، بينما تستمر أسعار الخبز والسلع الغذائية في الارتفاع، بما يوسع الفجوة بين قيمة الدعم والاحتياجات الفعلية للأسر.
فضلاً عن ذلك يعتمد ملايين المصريين على الخبز المدعم باعتباره المكون الأساسي للغذاء اليومي، الأمر الذي يجعل أي خفض في الوزن أو القيمة الغذائية ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا.
وعليه يصبح الحديث عن حرية الاختيار محل تساؤل لدى منتقدين، إذ يرون أن المواطن محدود الدخل لا يملك بدائل حقيقية عندما ترتفع أسعار الغذاء في الأسواق بصورة متسارعة.
تداعيات سياسية وإنسانية
في السياق نفسه أعلن وزير التموين أن التطبيق التجريبي للمنظومة الجديدة يبدأ في محافظة بورسعيد، على أن يتم تقييم النتائج قبل اتخاذ قرار بتعميمها في بقية المحافظات خلال المراحل التالية.
بينما يرى أستاذ الاقتصاد جودة عبد الخالق أن منظومة الدعم يجب أن تظل مرتبطة بضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي، محذرًا في مناسبات عديدة من أن تقليص الدعم العيني قد يفاقم معدلات الفقر الغذائي.
إضافة إلى ذلك يكشف التسلسل الزمني لقرارات خفض الوزن أن التقليص جرى على مراحل متعاقبة منذ عام 2014، بما جعل التراجع التدريجي أقل إثارة للاهتمام من قرار واحد مباشر بإلغاء جزء من الدعم.
وفي الوقت ذاته يعتبر منتقدون أن تثبيت عدد الأرغفة اليومية أخفى الانخفاض الحقيقي في كمية الخبز، إذ بقي الرقم ثابتًا بينما تراجعت الكمية الفعلية التي يحصل عليها المستفيد بصورة كبيرة.
كما أن ارتفاع تكلفة المعيشة خلال السنوات الأخيرة جعل الخبز المدعم يمثل الملاذ الأخير لكثير من الأسر، وهو ما يضاعف تأثير أي تعديل جديد في مواصفاته أو قيمته الاقتصادية.
لذلك ينظر كثيرون إلى تقليص وزن الرغيف باعتباره انعكاسًا لسياسات تقشفية تحمل محدودي الدخل الجزء الأكبر من كلفة الاختلالات الاقتصادية، بدلًا من البحث عن حلول هيكلية أكثر عدالة.
ومن ناحية أخرى تتزايد المخاوف من أن يؤدي نجاح التجربة في بورسعيد إلى تعميمها سريعًا، بما يغير شكل منظومة الدعم التي ظلت قائمة لعقود بوصفها إحدى ركائز الحماية الاجتماعية.
كذلك يثير الجمع بين خفض الوزن وارتفاع الأسعار تساؤلات حول مدى قدرة الأسر الفقيرة على الحفاظ على مستوياتها الغذائية، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.
وفي ضوء ذلك يرى مراقبون أن الرغيف المدعم لم يعد مجرد سلعة غذائية، بل تحول إلى مؤشر يعكس حجم التراجع الذي أصاب منظومة الدعم ومستوى الحماية التي توفرها الدولة للفئات الأكثر احتياجًا.
ختامًا تبدو أزمة الرغيف مرشحة لمزيد من التصعيد مع استمرار الحكومة في إعادة هيكلة منظومة الدعم، بينما يظل المواطن البسيط الطرف الذي يتحمل النتائج المباشرة لكل تقليص جديد في الغذاء والإنفاق الاجتماعي.

