تكشف البيانات الإحصائية الحقوقية الصادرة عن جمعية صحفيي دجلة والفرات (DFG) عن مشهد بالغ القتامة يحيط بحرية الصحافة والعمل الإعلامي في العراق خلال شهر يونيو 2026، في ظل تصاعد لافت في وتيرة الانتهاكات التي استهدفت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على مستويات متعددة. فالتقرير لا يرصد مجرد حوادث متفرقة أو تجاوزات محدودة، بل يقدم صورة متكاملة لبيئة إعلامية تتعرض لضغوط متصاعدة تشمل الاعتداءات الجسدية، والاحتجاز والاعتقال، والملاحقات القضائية، والإجراءات الإدارية، والقيود الرقمية، إلى جانب العقوبات المالية والتنظيمية المفروضة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

 

وتعكس هذه المؤشرات تراجعًا حادًا في واقع الحريات العامة، مع اتساع نطاق التدخلات التي تعيق العمل الصحفي وتحد من قدرة الإعلاميين على الوصول إلى المعلومات وتغطية الأحداث ونقل الوقائع إلى الرأي العام. كما يبرز التقرير أن الاستهداف لم يعد مقتصرًا على الميدان أو الشارع، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، والمؤسسات الإعلامية، وحتى الحياة الخاصة للصحفيين، في سياق ضاغط يهدد أسس العمل الصحفي المستقل ويضع حرية التعبير أمام تحديات غير مسبوقة.

 

انتهاكات ميدانية مباشرة واستهداف متصاعد للصحفيين والمؤسسات

 

على مستوى الانتهاكات الميدانية والجسدية، وثق التقرير سلسلة من الحوادث التي تعكس خطورة البيئة التي يعمل فيها الصحفيون. فقد تعرض صحفي واحد لاعتداء جسدي عنيف أدى إلى إصابته بأضرار بالغة، كما جرى استهداف صحفيين اثنين بشكل مباشر خلال أدائهما لمهامهما المهنية باستخدام الضرب أو الأسلحة، وهو ما يكشف حجم المخاطر التي باتت تلاحق العاملين في الميدان الإعلامي أثناء ممارسة عملهم.

 

ولم يقتصر الاستهداف على الأفراد، بل امتد إلى المؤسسات الإعلامية نفسها، إذ سجل التقرير تعرض مؤسستين إعلاميتين لهجمات مباشرة استهدفت بنيتهما التحتية، بما يعكس توجهاً لتقويض قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار في أداء دورها المهني. كما رصدت الجمعية مداهمة منزل صحفي واحد، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز التفتيش إلى الترويع والضغط النفسي، خاصة عندما تنتقل الملاحقة من أماكن العمل إلى المساحات الخاصة.

 

وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى احتجاز 10 صحفيين لفترات متفاوتة دون غطاء قانوني واضح، إلى جانب اعتقال 4 صحفيين وإيداعهم السجون، فضلاً عن تلقي صحفي واحد تهديدات صريحة بالأذى، ومنع 4 صحفيين من أداء مهامهم الإعلامية وتغطية الأحداث. وتعكس هذه الأرقام أن القيود المفروضة على العمل الصحفي لا تقتصر على التضييق غير المباشر، بل تشمل منعًا فعليًا ومباشرًا من ممارسة المهنة، بما يؤدي إلى إضعاف التغطية الميدانية وحرمان الجمهور من الوصول إلى المعلومات.

 

القضاء كأداة ضغط.. تحقيقات مفتوحة وأحكام مشددة ومحاكمات مستمرة

 

يرصد التقرير جانبًا آخر بالغ الحساسية، يتمثل في تصاعد استخدام المسار القضائي ضد الصحفيين والإعلاميين، بما يجعله أحد أبرز أدوات الضغط والتقييد خلال الفترة الأخيرة. فقد أظهرت البيانات أن 9 صحفيين ما زالوا يخضعون لتحقيقات قضائية مفتوحة، في حين يواجه صحفيان لوائح اتهام رسمية، بما يعكس استمرار حالة الاستنزاف القانوني التي تفرضها الملاحقات الممتدة على العاملين في المجال الإعلامي.

 

الأخطر من ذلك أن شهر يونيو شهد صدور أحكام بالسجن الفعلي بحق صحفيين اثنين، بلغ مجموعها 7 سنوات و6 أشهر، وهو ما يشير إلى انتقال بعض القضايا من طور التهديد أو التحقيق إلى التنفيذ العملي لعقوبات سالبة للحرية. كما تستمر محاكمة 36 صحفيًا أمام المحاكم الجنائية المختلفة، في مشهد يوضح أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحالات فردية، بل تحولت إلى نمط واسع يطاول أعدادًا كبيرة من الإعلاميين.

 

وتبرز خطورة هذه المؤشرات في كونها تؤثر على المناخ العام للعمل الصحفي بأكمله، إذ لا يقتصر أثر المحاكمات والتحقيقات على من تشملهم القضايا فقط، بل يمتد إلى سائر الوسط الإعلامي، بما يخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية والتردد في تناول القضايا الحساسة. كما أن استمرار هذا المسار يضعف ثقة الصحفيين في وجود ضمانات كافية تحميهم أثناء أداء واجبهم المهني، ويجعل العمل الإعلامي أكثر ارتباطًا بالمخاطر القانونية والتهديد بالعقاب.

 

حصار إداري ورقمي وعقوبات على الإعلام المرئي والمسموع

 

إلى جانب الانتهاكات الميدانية والقضائية، يوضح التقرير أن القيود المفروضة على الصحافة العراقية اتخذت أشكالاً إدارية ورقمية متزايدة التأثير. فقد وثق فصل صحفي واحد تعسفيًا من عمله، وسحب البطاقة الصحفية من صحفي آخر، وهما إجراءان لا يمسان فقط الوضع الوظيفي للأفراد، بل يوجهان ضغوطًا مباشرة على حقهم في الاستمرار داخل المجال الإعلامي والوصول إلى المؤسسات والفعاليات.

 

وفي المجال الرقمي، تبدو الأرقام أكثر اتساعًا ودلالة، حيث جرى إغلاق 20 موقعًا إلكترونيًا إخباريًا بشكل نهائي، وحجب الوصول إلى 43 مادة إخبارية وتقريرًا صحفيًا، إضافة إلى حجب 126 منشورًا على منصات التواصل الاجتماعي. وتكشف هذه المعطيات أن المعركة على حرية التعبير لم تعد محصورة في الصحف أو القنوات التقليدية، بل امتدت بقوة إلى الفضاء الإلكتروني الذي بات يمثل أحد أهم مسارات تداول المعلومات والأخبار.

 

كما واصل المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون (RTÜK) فرض عقوبات مالية وإدارية على وسائل الإعلام، إذ أصدر خلال يونيو عقوبات بحق 7 قنوات تلفزيونية و9 برامج إعلامية. وتشير هذه العقوبات إلى وجود ضغوط متزايدة على الإعلام المرئي والمسموع، ليس فقط من خلال الرقابة أو التهديد، بل عبر أدوات مالية وتنظيمية قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسات المستقلة وتقليص حضورها وتأثيرها.

 

في المحصلة، ترسم بيانات يونيو 2026 صورة شديدة القسوة لوضع الصحافة في العراق، حيث تتداخل الانتهاكات الأمنية مع الضغوط القضائية والإدارية والرقمية لتشكل منظومة تضييق متكاملة. وما تكشفه هذه الأرقام يتجاوز حدود الرصد الإحصائي، إذ يعكس أزمة حقيقية تطال الحق في التعبير والوصول إلى المعلومات، وتضع العمل الصحفي أمام تحديات تهدد استقلاله واستمراره. وبينما تتزايد هذه المؤشرات شهرًا بعد شهر، تتعاظم الحاجة إلى تحرك حقوقي وإعلامي جاد للدفاع عن الصحفيين، وحماية المجال العام من مزيد من الإغلاق والتقييد.