كشفت حركة حماس، في القاهرة، وصول وفد قيادي برئاسة زاهر جبارين، يوم 30 يونيو 2026، لاستكمال بحث اتفاق غزة مع المسؤولين المصريين والوسطاء، وسط مطالب بوقف التصعيد، وإدخال المساعدات، ومناقشة اللجنة الإدارية، وقوات الحماية الدولية، والانسحاب الصهيوني من القطاع.

 

وتأتي الزيارة بينما تواصل حكومة الاحتلال تحويل المفاوضات إلى إدارة طويلة للأزمة، لا إلى مسار واضح لإنهاء الحرب، في وقت تكتفي فيه القاهرة بدور الوسيط الأمني من دون ضغط معلن يلزم تل أبيب بوقف القتل أو فتح ممرات إغاثة كافية للفلسطينيين.

 

القاهرة بين وساطة محدودة واتفاق مؤجل

 

وقال طاهر النونو، المستشار السياسي لرئيس المكتب السياسي لحماس، إن الحركة جادة في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويخفف معاناة الفلسطينيين، وأكد أن الوفد يضع وقف الانتهاكات الصهيونية المتصاعدة، وجرائم القتل والاغتيال اليومية، على رأس جدول المباحثات في القاهرة.

 

غير أن جدول الوفد لا يقف عند وقف النار، إذ يشمل ضمان إدخال المساعدات، وترميم البنية الخدمية المنهارة، واستكمال البحث في خريطة المرحلة الثانية من الاتفاق، وهي مرحلة ترتبط عمليًا بالانسحاب وإدارة غزة وترتيبات الحماية، لا بتهدئة شكلية قابلة للانهيار.

 

في المقابل، قال المحلل السياسي نعمان توفيق العابد إن فرص تحقيق اختراق تبقى محدودة، لأن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض تقديم تنازلات أو الانتقال الجاد إلى المرحلة الثانية، كما يرى أن غياب الضغط الدولي والداخلي على الاحتلال يبقي التفاوض داخل دائرة المباحثات.

 

ويعزز هذا التقدير ما طرحه الباحث الفلسطيني طارق بقعوني، المتخصص في شؤون حماس وغزة، حين ربط تعثر اتفاقات التهدئة بطبيعتها المرحلية، وقال إن إسرائيل تستفيد من تجزئة المسار عندما تفصل وقف النار المؤقت عن رفع الحصار وإعادة الإعمار والحل السياسي.

 

ولهذا تبدو القاهرة أمام اختبار سياسي واضح، لأن استقبال الوفد لا يكفي وحده لإنتاج اتفاق، بينما تحتاج المفاوضات إلى ضمانات تنفيذية تلزم الاحتلال بوقف الخروقات، وتمنع تحويل إدخال المساعدات إلى ملف مساومة، وتربط أي مرحلة ثانية بجدول انسحاب محدد.

 

المساعدات تحت الحصار والمرحلة الثانية في مهب نتنياهو

 

وتؤكد وقائع غزة أن الملف الإنساني لا ينفصل عن المفاوضات، لأن السكان لا ينتظرون إعلانًا جديدًا بقدر ما يحتاجون إلى غذاء ودواء ووقود وممرات آمنة، فيما تقيس العائلات المنهكة جدية الوسطاء بعدد الشاحنات والمستشفيات العاملة لا بعدد الاجتماعات.

 

كما تشير الباحثة الصحية الفلسطينية يارا عاصي إلى أن القيود على الإغاثة تجعل المساعدات أداة سياسية لا خدمة إنسانية، وهو ما يفسر مطالبة حماس بضمان إدخال المساعدات ضمن جدول القاهرة، لأن أي اتفاق بلا تدفق ثابت للإغاثة يترك المدنيين تحت الحصار.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح حديث اللجنة الإدارية وقوات الحماية الدولية والانسحاب الصهيوني جزءًا من معركة ما بعد وقف النار، لأن نتنياهو يسعى إلى إدارة أمنية لغزة تضمن استمرار السيطرة، بينما تريد المقاومة تحويل الاتفاق إلى مسار ينهي الحرب ويرفع المعاناة.

 

في هذا السياق، تتحمل القاهرة مسؤولية مضاعفة، لأنها تملك موقع الوسيط والبوابة الجغرافية الأقرب لغزة، لكنها لا تقدم للرأي العام العربي ما يثبت أنها تستخدم هذا الموقع لفرض إدخال المساعدات أو منع الاحتلال من إفراغ المفاوضات من مضمونها.

 

وبذلك يظل الوفد الحمساوي في القاهرة أمام معادلة قاسية، إذ يفاوض على وقف التصعيد بينما تواصل تل أبيب فرض شروطها بالنار، وتدفع حكومة نتنياهو نحو مرحلة ثانية غامضة، وتتحرك الوساطة المصرية داخل هامش ضيق لا يواجه جذور العدوان.

 

بنت جبيل تكشف اتساع العدوان على جنوب لبنان

 

وعلى صعيد الجبهة اللبنانية، أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن مدفعية قوات الاحتلال قصفت أطراف بلدة بيت ياحون في قضاء بنت جبيل، كما نفذت قوات العدو الصهيوني حملة تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه الطريق الممتد من كونين إلى بنت جبيل.

 

ثم واصلت قوات الاحتلال عملياتها ليلًا، ونفذت تفجيرات في بلدات بيت ياحون وحداثا والطيري، في مشهد يؤكد أن التصعيد لا يقتصر على غزة، وأن الحدود اللبنانية تتحول إلى ساحة ضغط متزامنة مع مفاوضات القاهرة ومسارات الترتيب الأمني في الجنوب.

 

كذلك أشارت الوكالة الوطنية اللبنانية إلى أن قوات الاحتلال جرفت الطريق من منطقة حامول أول بلدة الناقورة حتى بلدة عيتا الشعب، وقطعت الأشجار المعمرة على جانبي الطريق، بما يعني أن العدوان يستهدف الأرض والبنية المحلية وطرق الحركة اليومية للسكان.

 

وبالتوازي، أنشأت قوات الاحتلال بوابات عبور بين النسق الأول والثاني، والمنطقة الصفراء، والمنطقة الحدودية، ومنطقة جنوب الليطاني، وهي إجراءات ميدانية لا تنفصل عن محاولة فرض وقائع أمنية جديدة، قبل أي انسحاب أو ترتيبات دولية محتملة.

 

ويرى الباحث اللبناني مهند الحاج علي أن الجنوب اللبناني دخل مرحلة ضغط عسكري وسياسي متداخل، لأن الاحتلال يستخدم الضربات والهندسة الميدانية لترسيخ منطقة أمنية بحكم الأمر الواقع، بينما تدفع واشنطن نحو ترتيبات تجعل الانسحاب مشروطًا لا فوريًا.

 

لهذا تكشف بنت جبيل والناقورة وعيتا الشعب الوجه الآخر لمفاوضات غزة، لأن الاحتلال لا يفاوض في القاهرة بمعزل عن مدافعه في الجنوب، ولا يتعامل مع وقف التصعيد كالتزام قانوني، بل كفرصة لإعادة رسم خرائط السيطرة تحت غطاء الوساطات.

 

وتضع هذه الوقائع الحكومة المصرية أمام سؤال لا يمكن تجاوزه، فالقاهرة تستقبل وفدًا فلسطينيًا يبحث وقف الحرب، لكنها لا تقدم موقفًا معلنًا يوازي حجم التصعيد في غزة ولبنان، ولا تضغط بما يكفي لكسر سياسة نتنياهو القائمة على التفاوض تحت النار.

وفي النهاية، لا يحتاج الفلسطينيون واللبنانيون إلى جولة وساطة جديدة تنتج عناوين مؤجلة، بل إلى وقف فعلي للقتل، وإدخال مساعدات بلا ابتزاز، وانسحاب صهيوني واضح، وموقف عربي يخرج من مربع الإدارة الأمنية للأزمة إلى مربع مواجهة العدوان سياسيًا وإنسانيًا.