تسلم عبد الفتاح السيسي، الأربعاء 1 يوليو 2026، في القاهرة، أوراق اعتماد 17 سفيرا جديدا لدى جمهورية مصر العربية، في مراسم رسمية أعلنتها رئاسة الجمهورية، بينما قدمت السلطة الحدث باعتباره دليلا على اتساع العلاقات الثنائية، رغم أن النتيجة السياسية الأبرز ظلت محصورة في بروتوكول دبلوماسي لا يغير واقع الأزمة الداخلية.
ويأتي الحدث في سياق سياسي ضاغط، لأن نظام السيسي يوظف مراسم الاعتماد واللقاءات الخارجية لتثبيت صورة دولة مستقرة أمام الخارج، بينما يعيش الداخل المصري تحت أعباء اقتصادية وحقوقية متراكمة، تجعل أي خطاب عن التعاون الدولي منفصلا عن سؤال المواطن حول الحريات والأسعار والديون والعدالة.
بروتوكول واسع ورسالة سلطة تبحث عن اعتراف
وبحسب بيان الرئاسة، شملت قائمة السفراء الجدد ممثلين عن البيرو وجواتيمالا وكمبوديا وقطر وموريشيوس وغانا ومالي وناميبيا وإندونيسيا والكونغو وكوريا والفلبين ومالطا ومنغوليا والبرتغال ومولدوفا والباراجواي، وهي قائمة واسعة جغرافيا، لكنها تعكس في جوهرها إجراء اعتماد اعتيادي أكثر من كونها اختراقا سياسيا جديدا.
كما ضمت المراسم السفير ميجيل لويس مارتين أليمان أورتياجا عن البيرو، وجورج دي لاروش دو رونسيت بليهال عن جواتيمالا، وسوم فيسال عن كمبوديا، والشيخ جاسم بن عبد الرحمن محمد العبد الرحمن آل ثاني عن قطر، ورزا جني عن موريشيوس، وجاستس سولومون كورانتوى باريماه عن غانا.
وفي السياق نفسه، قدم كل من سامبا الحمدو بابى عن مالي، وويتش موركل أوبيندورا موبيا عن ناميبيا، وكونتشورو جيري واسيسو عن إندونيسيا، وفيليب أوبارا عن الكونغو، وكيم وان جونغ عن كوريا، وشارمين روينا كاويلى افيكيفيل عن الفلبين، أوراق اعتمادهم ضمن المراسم نفسها.
كذلك استكملت القائمة اعتماد أندريه سبيتيري سفيرا لمالطا، وبيامبادورج دونيجشيمبو سفيرا لمنغوليا، وسوزانا أوليفيرا دي سوزا ديوغو فاش باتو سفيرة للبرتغال، وأوليغ سيريبريان سفيرا لمولدوفا، وخوسيه رافائيل أغويرو أفيلا سفيرا للباراجواي، بما جعل الحدث أقرب إلى دفعة دبلوماسية جماعية داخل القصر الرئاسي.
لكن الباحثة ميشيل دن، وهي خبيرة في الشأن المصري بمؤسسة كارنيغي، تقدم مدخلا مهما لقراءة هذه الصورة، إذ ترى في كتاباتها أن خطاب الاستقرار الذي يقدمه السيسي للخارج لا يصمد أمام توسع القمع وتآكل السياسة، ولذلك تخدم مراسم الاعتماد صورة النظام أكثر مما تعالج أسباب التوتر داخل المجتمع.
علاقات ثنائية بلا انعكاس واضح على المواطن
وأكد السيسي، وفق بيان الرئاسة، اعتزاز مصر بعلاقاتها الثنائية مع الدول التي يمثلها السفراء الجدد، وأشار إلى حرصه على دفع وتطوير التعاون معها، بينما استخدمت الرئاسة لغة دعم وتسهيل لعمل البعثات الدبلوماسية، من دون أن تربط ذلك بأي التزام معلن تجاه تحسين أوضاع المصريين السياسية والاقتصادية.
ومن هنا تبدو الفجوة واضحة بين خطاب الدولة عن التعاون الدولي وبين حياة المصريين اليومية، لأن الحكومة توسع علاقاتها وتستقبل السفراء وتعلن الشراكات، بينما يدفع المواطن كلفة تضخم وديون وبيع أصول وارتفاع أسعار، من دون رقابة سياسية حقيقية أو مساءلة برلمانية جادة على اختيارات السلطة.
ويخدم رأي الباحث تيموثي كالداس هذا المحور تحديدا، لأنه حذر مرارا من طريقة إدارة نظام السيسي للمال والدعم الخارجي، واعتبر أن قدرة الحكومة على تبديد التمويلات تظل قائمة عندما تغيب الإصلاحات المسؤولة، لذلك تصبح الدبلوماسية الاقتصادية مجرد مسار جديد لضخ الموارد في نموذج مأزوم.
وبهذا المعنى، لا تكفي أوراق اعتماد السفراء الجدد لصناعة ثقة سياسية أو اقتصادية، لأن الدبلوماسية لا تعمل وحدها في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة داخلية تضمن شفافية التعاقدات وعدالة توزيع العوائد وخضوع المؤسسات للمحاسبة، وهي شروط لا يوفرها نظام يحصر القرار في دائرة ضيقة حول الرئاسة.
الشرعية الخارجية لا تلغي ملف الحقوق
ورحب السيسي بالسفراء الجدد وتمنى لهم التوفيق في مهامهم الدبلوماسية، وقالت الرئاسة إن الدولة المصرية ستقدم لهم أوجه الدعم بما يعزز التعاون المثمر، غير أن هذا الترحيب الرسمي جاء من سلطة تواجه اتهامات حقوقية واسعة، وتتعامل مع الخارج كمنصة لتحسين الصورة لا كوسيلة لتغيير السياسات.
وفي هذا الإطار، يكتسب موقف كلاوديو فرانكافيلا، المدير المشارك لقسم الاتحاد الأوروبي في هيومن رايتس ووتش، وظيفة تحريرية مباشرة، لأنه دعا القادة الأوروبيين إلى عدم تجاهل الانتهاكات الحقوقية تحت حكم السيسي، وطالب باستخدام النفوذ الخارجي لانتزاع إصلاحات ملموسة تضمن محاسبة الحكومة واحترام الحقوق.
ثم تتسع دلالة الحدث عندما تقارن السلطة بين احتفاء القصر بالسفراء وبين تضييق المجال العام في الداخل، لأن النظام يقدم نفسه شريكا دبلوماسيا مقبولا، بينما تغيب الضمانات الأساسية للعمل السياسي والنقابي والإعلامي، ويظل ملف السجناء والمعارضين شاهدا على حدود هذه الصورة الرسمية المصقولة.
لذلك لا يمكن فصل اعتماد 17 سفيرا عن نمط أوسع في إدارة الحكم، حيث تفضل السلطة المراسم المنظمة والتقاط الصور وتبادل عبارات التعاون، بينما تتهرب من فتح نقاش عام حول تكلفة الديون ودور الجيش في الاقتصاد وحبس المعارضين وتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع.
وبينما يمثل استقبال السفراء إجراء طبيعيا في العلاقات الدولية، فإن توظيفه داخليا يفضح أزمة أعمق، لأن النظام يحاول تقديم الاعتراف الدبلوماسي باعتباره شهادة نجاح سياسي، في حين أن الاعتراف الحقيقي يبدأ من الداخل، عبر دستور محترم، وقضاء مستقل، وإعلام حر، واقتصاد لا يدار كملف أمني.
واخيرا فأن مراسم أوراق اعتماد 17 سفيرا جديدا لم تكشف قوة السياسة الخارجية بقدر ما كشفت حاجة النظام إلى واجهة خارجية مرتبة، فالدول ترسل سفراءها وفق أعراف العلاقات الدولية، لكن المصريين لا يحصلون من تلك الأعراف على خبز أرخص أو حرية أوسع أو حكومة تخضع للمحاسبة.

