أحمد عمر
كاتب سوري مقيم في ألمانيا
سنستعين بقصة مالك الحزين والثعلب لفهم حروب كرة القدم في الملاعب الخضراء. وكرة القدم في عصرنا: عزّ وسؤدد. تقول الحكاية إن ثعلبًا دعا مالك الحزين إلى طعام، فلبّاه، فقدم له الحساء في صحفة، فلم ينل الحزين بمنقاره شيئًا منه "إِلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ في البَحْرِ". وردَّ الحزين الدعوة، فقدم الطعام لضيفه الثعلب في إبريق طويل العنق، فلم ينل منه الثعلب شيئًا، وانتهت المباراة "بالتعادل الإيجابي"، هدف لكل منهما.
غيّر المعلق المصري الرياضي الطريف، على مباراة إيران مصر، نبرته، وكادت مصر أن تخسر، بعد أن أبطل الحَكَم هدف إيران، الذي تبين لكل ذي "فار: آلة إعادة الصورة" أنه هدف مختلس، تسلل، غير صحيح، فقال: إن مصر كانت دومًا رائدة!
لا يغرنّك التعليق يا مالك الحزين على الكأس، فإنما هو كلام مثل كلام المذيع المصري أحمد سعيد الذي كان يُسقط الطائرات ويَهِب الانتصارات للجيش المصري بلا حساب، فلم يسبق لمصر أن كانت رائدة في الكرة، اللهم إلا في الحرب الأهلية الكروية بين الأهلي والزمالك، ولن تربح أمّ الدنيا ولا أخواتها كأس العالم، حتى تصير أمُّ الآخرة، وإن وصل فريق عربي إلى دور الـ16 فسنحتفل كثيرًا، وسيستقبل الرئيس "أبطال الفريق" ويقلدهم الأوسمة، ويقلدونه الألقاب، ناسبين له الفضل في الفوز.
وكان المعلق السوري عدنان بوظو يحسن العزاء في هذه المصائب والنوازل، فيقول: نحن أيضًا نشارك في كأس العالم بحكمنا جمال الشريف.
يتربص مشاهد سعودي بنتيجة مباراة السعودية أمام إسبانيا، متسلحًا بلبنة، واللبنة هي للبناء، وليست للتخريب، وما إن تنتهي المباراة، بالخسارة التي تشبه التنكيل، حتى انهال بها على الشاشة "الذكية"، التي لم تستطع بذكائها النجاة من وقع القنا، وأثخنها جراحًا وحطمها تحطيمًا. يقول المأثور: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يبني باللبنة بيتًا، ويحفظ الشاشة، فهي ليست إسبانية يا مالك الحزين.
هل سنربح يومًا كأس العالم لكرة القدم، أو نحصل على إحدى الجوائز الثلاث: الذهبية أو الفضية أو البرونزية؟
كأس العالم سوق كبيرة، كأنها أقيمت من أجل التجارة والإعلان.. الإعلانات التي نسميها "دعايات"، إنها عكاظ الغرب، فالهند والصين وإسرائيل لا تشارك في كأس العالم، وملكها الدائم هو جياني إنفانتينو، وقد كسب كثيرا من المليارات، وليس له منافسون، مثل ملوك العرب.
لا تفتر الأخبار عن الإعلان ساعة، بالكلمة والصورة. المونديال سوق كبيرة يباع فيها الرقيق الأبيض؛ لاعبون، ونساء، وآلات، ومشروبات، خاصة بيبسي كولا، لعلنا أحببنا الكرة بسبب هذا المشروب السحري الذي كتبت غابريل غارسيا ماركيز مقالا أثبت فيه أنه سمّ.
سنقرأ عن ارتفاع سعر تذكرة الدخول إلى الملعب، وعن شكاوى الزوار، الذين ضربوا أكباد الطائرات من كل فجٍّ عميق شُعثًا غُبرًا، من البقشيش الإجباري في أمريكا. سنقرأ عن مهارات الفريق الفرنسي، فهو يحسن اللعب بلاعبيه الفرنسيين البيض أو أبناء "أمهات الولد" السود. يمكننا الحديث عن نزف الأقدام بعد أن كنّا نتحدث عن نزف العقول. الغاية ليست اقتصادية وحسب، فهي روحية أيضًا، فالمونديال هو صومعة العالم، وموسم الحج إليه كل أربع سنوات، كل أربع سنوات يغاث الناس مرة ويعصرون. يُعصُرون وليس يَعصِرون.
هو موسم عبادة خالصة للكرة، ليس برهاننا هو صلاة اللاعب النرويجي إيرلينغ هالاند، الذي خشع بعد هدفه في مباراة العراق بجلسة تشبه "اللوتس" المعروفة في اليوغا، أو "الزن" البوذية، ولا إلى قراءة أعضاء فريق الساجدين الفاتحةَ، ولا إلى شكر الهداف ربّه بالمشيرتين، فكل هداف يشكر ربّه في السماء، بصلاة سريعة لا تؤذي جياني إنفانتينو، أو سجدة شكر إن كان مسلمًا، فهي إشارات دينية خفيفة، لا يحرّمها مجلس الإفتاء الأعلى في الفيفا، ولا إلى إسلام 400 إنسانٍ على هامش اللعب، فالمعبد الأكبر هو الملعب، والديانات الأخرى ديانات هامشية، والأئمة الكبار هم النجوم الذين تنتظرهم الجماهير من أجل صورة أو توقيع يباهي الخلق ويبشر بها بالجنة.
بل إن لاعبين عربًا يفاخرون باللعب مع ميسي أو لمسه أو التحرش به، نجم "الدب" الأكبر، أقصد نجم العالم الأكبر، الذي ألبسناه العباءة العربية لحظة مقابل 250 مليار دولار، في مونديال قطر، كانت كافية لتحسين أوضاع العالم العربي كلها، أو كافية لتأهيل آلاف الموهوبين إلى نجوم في الكرة والفيزياء والكيمياء والفلك والجراحة.. لكننا لا نحسن الجد ولا اللعب، فقد خرجنا من الدور الأول، يا يوم عمورية، ممهورين بأختام من الأهداف مذلة، على أعناقنا، تجللنا عارًا مدة أربع سنوات على الأقل.
لكن لماذا نخسر، وقد انشغلنا دهرًا نكتب: لماذا تقدموا وتخلفنا؟ قد تساق أسباب سياسية، أو أسباب اقتصادية، أو أسباب جنسية، وقد خرج علينا شيخ وقد غدوا كلهم ظرفاء، من أثر عادل إمام عليهم، يقول: زوجوا كل لاعب أربع زوجات، وستروننا نشرب في كأس العالم شايًا ثقيلًا في "الخمسينة". والجملة الأخيرة من عندي.
ملعب كرة القدم هو ملعب الغرب، والقصعة قصعتهم، أما القدم فليس لنا سابقة فيه، ولا قدم صدق في الملاعب إلا قبل نصف قرن، وهو زمن قصير. فنحن أبناء حضارة نص ولم نعد نقرأ، ولا نكتب، كل الكتاب الذين أعرفهم باتوا يكتبون بالعامية في وسائل التواصل، وهي مرهقة، وقطرية، يا مالك الحزين.
الملعب ملعب الغرب والكرة كرتهم، إنما نحن ضيوف، والجمهور جمهورهم. قد نفوز مرة، كما فازت الجزائر على ألمانيا سنة 1982، بمصادفات وحظوظ وثورات كروية، والكرة مادة بين مواد المنهاج التي أهملناها: الفيزياء، والعلوم، والجبر، والفلك، وعلوم اللغة، والترجمة. تعالوا إلى الغرب، حيث سبقونا إلى العلياء (فالسند)، بعلوم القافيْن: القافية والقدم، فغزوا الفضاء، حتى إنهم يتجسسون علينا ويعرفون ما توسوس به نفوسنا، فهم يملكون كل وسائل التواصل الاجتماعي التي نثرثر فيها بآمالنا وأحلامنا عن طيب خاطر.
الفرنجة هم مبتدعو اللعبة، هم أصحاب الحلبات، فهم أخلاف أسلافهم الرومان والإغريق. القدم عندهم قبل القلب والرأس، القدم ليست عضوًا زائدًا أو مهملًا، حتى ليظننَّ الظان أنَّ القدم هي أهم عضو في جسم الغربي، وقد ارتضى سراتهم وأشرافهم وأولو النهى فيهم أن تكون أثينا هي قريش الغرب، فجعلوا روح أخيل في الأسطورة الإغريقية في قدمه، وليس في قلبه أو رأسه، فكان كعبه المكان الوحيد في جسمه الذي لم يغمره ماء نهر ستيكس المقدس.
نجد في الأساطير اليونانية أيضًا ماراتون، وهي بلدة يونانية عدا إليها فيديبيدس مسافة أربعين كيلومترًا لإبلاغهم بالنصر على الفرس، فصار سباقًا دوليًّا فيما بعد. ونصل إلى العصور الحديثة، فنجد عقوبة قطع أصابع أقدام محاولي الهرب، من المستعبدين الأفارقة.
الهرب ممنوع، ازحفوا مثل الزواحف في الحقول الغربية وقطف القطن. لقد زحف نصف الشعب السوري على بطنه باتجاه الشمال لقطف القطن.
يمكن أن نذكر قدم أوديب، الذي عُرف بالرائد أو العارف، وتنسب إلى أوديبيوس أشهر عقدة نفسية، حتى أن فرويد بنى عليها نظريته في شخصية الغربي النفسية، بل إنهم يشخصّون العالم بتلك الآلة النفسية التي تسمى عقدة أوديب. وما أكثر اللوحات التي رسمت النعال، أشهرها لوحة الفنان الألماني فان غوخ "حذاء فلاح"، التي بنت عليها الفلسفة التأملية عند هايدغر، في كتابه "أصل العمل الفني"، ثم صنع الغرب جائزة اسمها جائزة الحذاء الذهبي بعد انتشار ديانة كرة القدم، وهي تمنح في كل سنة لأسبق هداف أوروبي.
نحن في ملعب الغرب، وقد دُعي مالك الحزين إلى وليمة أعشاب الملعب، فهُزمنا تلك الهزائم المنكرة، بنصف دزينة من الأهداف لكل فريق عربي. سنذكر جملة نهاد قلعي الطريفة في "صح النوم": إذا أردنا أن نعرف ماذا في الملعب، يجب أن نعرف ماذا في القصر، أو "إذا أردنا معرفة القدم فيجب أن نعرف ماذا في الرأس"، أما إذا أردنا أن نحكي حكاية الثعلب ومالك الحزين مرة ثانية فسنقول: أكل الثعلب مالك الحزين.
الحلبة حلبتهم، والرأس عندنا قزعة؛ كل اللاعبين العرب والمسلمين قزع. وليس عندنا أحزاب سياسية، كيف تنهض فرقنا الرياضية والجمعيات الخيرية عندنا ممنوعة يا مالك الحزين!
القزعة ظلم، والقزع إيثار لقمة الرأس بكسوة الشعر، وامتهان لمحيطه بالحلق والتعرية والتعريض للشمس والريح.
لقد دعا الثعلب الغربي مالك الحزين العربي إلى الطعام في صحفته الخضراء، فرجع الحزين حزينًا وجائعًا.
بصراحة: أكله الثعلب.

