د. سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية

 

يحاول أنصار الاتفاق الإطاري الذي وقعته الحكومة اللبنانية مع "إسرائيل" تسويقه كانتصار للدبلوماسية اللبنانية، بادعاء أنه يحقق للبنان مكسبين مهمين هما السيادة وانسحاب قوات الاحتلال، بينما النظر بتأنٍ للاتفاق الموقع يشير بوضوح إلى أن مضمونه كارثي ومآلاته قد تكون فادحة جدًا على لبنان، وخصوصًا -للمفارقة- في مسألتَيْ السيادة والانسحاب.

 

ثمة سلبيات عديدة في الاتفاق، وفق البنود الـ14 المعلنة، يمكن رصد الأهم والأخطر منها:

 

أولًا - السياق

 

جاء توقيع اتفاق الإطار في إطار التنافس مع مسار المفاوضات الإيرانية- الأمريكية، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لتفريغ مكاسب إيران في مذكرة التفاهم من مضمونها وخصوصًا ورقتي لبنان ومضيق هرمز، كما تريد "إسرائيل" التنصل من أي تقييد لها في لبنان قد يأتي به اتفاق إيراني- أمريكي محتمل.

 

وكان اللواء إسرائيل زيف، الرئيس السابق لمديرية العمليات في جيش الاحتلال، قد تحدث قبل أسبوع عن "مأزق إسرائيل في لبنان"، المتمثل بالاستنزاف الميداني والضغط الأمريكي والربط الإيراني بين المسارين، مؤكدًا على أن المخرج الوحيد من هذا المأزق هو توقيع اتفاق مع الحكومة اللبنانية يشرعن الوجود "الإسرائيلي" ويديم "حرية الحركة" لجيش الاحتلال.

 

بهذا المعنى، يمكن فهم مصلحة حكومة نتنياهو في التوقيع، رغم توقع عدم التنفيذ، فما هي مصلحة الحكومة اللبنانية في التخلي عن أهم ثلاث أوراق قوة بين يديها قبل التوقيع وهي الشرط الإيراني على الانسحاب "الإسرائيلي"، وأداء المقاومة الميداني، ووحدة الموقف الداخلي اللبناني؟

 

ثانيًا - تحديد المشكلة

 

في معظم بنوده، يحدد جوهر الاتفاق المشكلة الرئيسة التي يعمل على حلها بأنها الهجمات التي تتعرض لها "إسرائيل" ما "يضطرها" للرد (البند رقم 5)، وليس الاحتلال والعدوان على دولة ذات سيادة. وهو أمر جوهري وليس هامشيًا، بنيت عليه معظم بنود الاتفاق.

 

ثالثًا - توصيف الأطراف

 

بناء على ما سبق، يوصف الاتفاق حزب الله والأطراف اللبنانية (وبالتبعية الفلسطينية) المقاومة بأنها "جماعات مسلحة خارج إطار الدولة" (البنود 2، 3،4،5،9 و11)، في تأكيد على أنها مصدر الخلاف والمشكلة من جهة وتجريمها من جهة أخرى، بينما يشار للطرف الآخر بـ"قوات الدفاع الإسرائيلية" (البنود 2،3 و5) بدون التوصيف السياسي- القانوني للاحتلال.

 

رابعًا – التراتبية

 

يشترط الاتفاق التزامات من الحكومة اللبنانية تتمثل ليس فقط في نزع سلاح المجموعات المسلحة المشار لها، ولكن كذلك "تفكيك بنيتها التحتية" (البند 3)، قبل أي خطوة من الجانب "الإسرائيلي" بما يتعلق بالانسحاب. كما أن إعادة الإعمار مرهونة كذلك بهذه الخطوات اللبنانية (البند 3)، بمعنى أن إعادة الإعمار وبالتالي عودة النازحين نتيجة لاحقة للالتزام اللبناني الكامل، وإلا لن تحصل. كما أن الخطوات اللبنانية ليست مرتبطة بأماكن حساسة أو حدودية أو تحمل معنى "التهديد"، وإنما تشمل "كل لبنان" (البند 5).

 

خامسًا – المرجعية

 

يقدح الاتفاق بالسيادة اللبنانية بشكل واضح وفاضح، حين يجعل الجانب اللبناني معتديًا ومدانًا ومطلوبًا منه أن يقوم بخطوات محددة لكي يستحق انسحاب قوات الاحتلال، كما أنه "سيسمح" له بالانتشار في "مناطق تجريبية" على أرضه، لتنظر حكومة نتنياهو في مدى أحقيته في إدارتها وبالتالي الانسحاب من أماكن أخرى محتلة. "إسرائيل" هنا هي الخصم والحكم والمرجعية وصاحبة القرار والتقييم.

 

سادسًا – التطبيع

 

يتخطى الاتفاق البعد الأمني المرتبط بكيفية الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي المحتلة ومعالجة آثار ذلك من إعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة الأسرى؛ إلى "هدف مشترك" يتمثل بـ"تحقيق سلام وأمن دائمين" و"إقامة علاقات حسن جوار سلمية بينهما" (ديباجة المقدمة)، وينتقل سريعًا من التنظير للمسار العملي عبر "تشكيل مجموعات عمل لصياغة اتفاق سلام وأمن شامل وكامل (البند 12).

 

سابعًا – المآلات

 

قد يكون الأهم من بين كل ما سبق هو أن الاتفاق لا يؤدي لانسحاب قوات الاحتلال ولا يطالبها بذلك، بل أقصى ما ينص عليه بعد كل هذه الاشتراطات والتوصيفات هو "إعادة انتشار" قوات الاحتلال بدون إعطاء أي تفاصيل عن ذلك (البند 3).

 

أكثر من ذلك، يعطي الاتفاق "إسرائيل" ما أسماه "حق الدفاع عن النفس"، وهو ما يعني حقها في استهداف ما تراه تهديدًا لقواتها في لبنان (البند 7). وقد بدأت بيانات جيش الاحتلال فور توقيع الاتفاق من الحديث عن "استهداف مسلحين" إلى استهداف أشخاص "اشتبه بأنهم مسلحون". بل إن الإعلام العبري ادعى أن الملحق الأمني يمنح قوات الاحتلال الحق بالدخول للمناطق التجريبية "للتحقق" من أداء الجيش اللبناني، ثم الدخول لها "مجددًا" أي إعادة احتلالها في حال كان تقييمه سلبيًا.

 

ثامنًا - تحصين الاحتلال

 

نص البند 13 على التزام لبنان بعدم ملاحقة دولة الاحتلال أو قواتها، رغم كل جرائمها في لبنان، "في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، بدون حتى اشتراط انسحاب قوات الاحتلال، واضعًا ذلك في إطار "إظهار حسن النية"، وبطبيعة الحال فليس هناك إشارة لأي تعويضات عن الاحتلال والقتل والتهجير والتدمير.

 

وفي الخلاصة، فإن الاتفاق يشرعن وجود قوات الاحتلال في لبنان، ويمنحها الحصانة من الملاحقة القانونية، ويحدد المشكلة في المقاومة لا الاحتلال، ويلقي بالكرة في ملعب لبنان حكومة وجيشًا، حيث إنه سيُحمّل المسؤولية عن عدم التنفيذ وليس الاحتلال "الإسرائيلي"، فضلًا عن أنه ينقل الانسحاب من مطلب أولي محق وشرط للتفاوض إلى نتيجة محتملة في حال أبدت "إسرائيل" تقييمًا إيجابيًا لعمل الحكومة/الجيش اللبناني ضد حزب الله تحديدًا.

 

وليس خافيًا أن هذه وصفة واضحة لصدام داخلي ربما يشكل أرضية لحرب أهلية يمكن أن تفتح الباب على صراع إقليمي (البند رقم 4 أشار لحصول لبنان على دعم خارجي/عربي)، لا يختلف اثنان على أن الكاسب الوحيد منه هو الكيان المحتل.

 

هذا المعنى هو الموقف الوحيد الذي صدر عن رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل (وحليف حزب الله) نبيه بري تعقيبًا على الاتفاق، محذرًا من "إنها الفتنة"، داعيًا لتجنبها. إذ إن الحكومة اللبنانية، التي يصفها الكثيرون بالسلطة لا الحكومة ولا الدولة لأنها تخلت عن صيغة التوافق والميثاقية، لم تكتف بالتخلي عن المقاومة كورقة قوة في التفاوض، بل وافقت على أنها هي المشكلة المطلوب حلها قبل حتى مطالبة "إسرائيل" بالانسحاب من الأراضي المحتلة. ومن غير المتوقع أن يقبل حزب الله تسليم سلاحه وتفكيك بنيته التحتية (وربما اعتقال قياداته وكوادره) في ظل وجود قوات الاحتلال. هنا، ما تفعله السلطة اللبنانية الممثلة بالرئيس عون ورئيس الحكومة سلام هو الاستقواء بدولة الاحتلال على الخصم الداخلي استغلالًا للظرف الإقليمي والدولي، بدل حل مسألة حزب الله في الإطار الداخلي كما تنادي بذلك معظم الأطراف السياسية.

 

وبغض النظر عن مستقبل الاتفاق، إقرارًا أو تعطيلًا أو إلغاءً، في المسارات الدستورية والسياسية والشعبية، إلا أنه ينقل فكرة "السيادة" من مساحة إنهاء الاحتلال الخارجي إلى مربع الضغط الداخلي، ويخفف الضغوط على الاحتلال ويشرعن وجود قواته على الأراضي اللبنانية، ويجعل هذا المسار حقل ألغام داخلي نرجو ألا ينفجر في أي لحظة.