حذرت وزارة الصحة من تناول عقار الكلوزابين دون وصفة طبية، بعد تزايد إساءة استخدامه بين الشباب والمراهقين، ما يهدد بمضاعفات خطيرة قد تصل إلى اضطرابات دموية وقلبية وعصبية وربما الوفاة.
وتكشف الظاهرة خللًا أوسع من دواء بعينه، حيث يهرب شباب مضغوطون إلى عقاقير نفسية خطرة، بينما تتساهل الأسواق والمنصات والصيدليات مع الألم الاجتماعي، فيتحول العلاج إلى باب جديد للخراب.
دواء نفسي يتحول إلى تهديد
في البداية، يجب تصحيح الخلط الدائر بين الكلوزابين والكلوبازام، فالكلوزابين مضاد ذهان عالي الخطورة، وليس مهدئًا تقليديًا، ولا يتكون من الكلوبازام، بينما الكلوبازام ينتمي إلى أدوية مهدئة ومضادة للتشنجات.
وبحسب التحذيرات الصحية، لا يستخدم الكلوزابين إلا تحت إشراف طبي صارم، لأنه يرتبط بمضاعفات تحتاج متابعة دقيقة، خصوصًا انخفاض خلايا الدم البيضاء، واضطرابات القلب، والتشنجات، ومشكلات الجهاز العصبي.
كما أن خطورته لا تأتي من اسمه التجاري وحده، بل من كونه دواء يحتاج تقييمًا متخصصًا قبل وصفه، وتحاليل دورية أثناء استخدامه، ومراقبة لأي أعراض مفاجئة قد تهدد حياة المريض.
ومن ثم، فإن تداوله بين الشباب باعتباره وسيلة للتهدئة أو الهروب من القلق يمثل انحرافًا خطيرًا عن الاستخدام الطبي، ويحوّل دواءً مخصصًا لحالات محددة إلى تهديد جماعي.
غير أن بعض المحتوى المتداول على المنصات يختزل الأدوية النفسية في تجربة عابرة، ويقدمها كحل سريع للتوتر والضغط، بينما يخفي آثارها العنيفة على الدم والقلب والوعي والسلوك.
لذلك، لا يمكن التعامل مع الظاهرة باعتبارها نزوة شبابية، لأنها ترتبط بغياب التوعية، وضعف الرقابة، وتطبيع شراء أدوية نفسية دون روشتات معتمدة، بما يفتح طريقًا خطيرًا للإدمان والوفاة.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة منن عبد المقصود، الأمينة العامة للأمانة العامة للصحة النفسية، أن الأدوية النفسية لا تصرف ولا تستخدم إلا بتقييم طبي، لأن إساءة استخدامها تخلق مخاطر صحية وسلوكية جسيمة.
بناءً على ذلك، يصبح التحذير من الكلوزابين جزءًا من معركة أكبر ضد العبث بالدواء النفسي، وضد تحويل معاناة الشباب إلى سوق مفتوحة للعقاقير والتجارب العشوائية بلا حماية.
الترويج الإلكتروني وثقافة التجربة
في المقابل، تقدمت النائبة هبة غالي بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة، بشأن تنامي تناول الشباب والمراهقين لعقار الكلوزابين والمستحضرات النفسية دون وصفة طبية أو إشراف متخصص.
وعلى الرغم من خطورة الدواء، كشفت النائبة أن محتويات مضللة وتحديات متداولة على منصات التواصل ساهمت في انتشاره، بما يضع الأسر أمام خطر جديد لا تراه إلا بعد وقوع الضرر.
كما حذرت من وصول الأدوية النفسية إلى أيدي الشباب دون روشتات معتمدة، معتبرة أن ثقافة تجربة العقاقير عبر المنصات تهدد الأمن الصحي للأسرة المصرية وتكشف ثغرات رقابية في تداول الدواء.
وبالتالي، لا تقف المشكلة عند المستخدم وحده، بل تمتد إلى بيئة رقمية تصنع الوهم وتبيعه، وصيدليات مخالفة تغض الطرف، وجهات رقابية تتحرك غالبًا بعد اتساع الخطر لا قبله.
علاوة على ذلك، طالبت النائبة بتفعيل الروشتة الرقمية وربط صرف الأدوية النفسية إلكترونيًا، مع تشديد الرقابة على الصيدليات المخالفة، وفرض عقوبات رادعة على صرف العقاقير دون وصفات موثقة.
لكن هذه المطالب تكشف في جوهرها اعترافًا متأخرًا بأن سوق الدواء النفسي تركت سنوات أمام البيع العشوائي، حتى صار الشاب قادرًا على الوصول إلى مواد عالية الخطورة خارج العيادة.
وفي هذا الإطار، يحذر الدكتور نبيل عبد المقصود، أستاذ علاج السموم والإدمان بجامعة القاهرة، من أن خلط العقاقير المؤثرة على الجهاز العصبي مع مواد أخرى يضاعف احتمالات الهبوط والغيبوبة والوفاة.
ومن ناحية أخرى، لا تكفي حملات التحذير إذا بقيت المنصات تروّج والمجموعات المغلقة تشرح طرق الاستخدام، لأن الخطر الرقمي أسرع من البيانات الرسمية وأكثر قدرة على الوصول للمراهقين.
شباب مضغوط ورقابة غائبة
إلى جانب البعد الدوائي، تكشف الظاهرة عن أزمة نفسية واجتماعية عميقة بين الشباب، حيث يبحث كثيرون عن راحة سريعة ورخيصة من التوتر والضغوط، بدل الوصول إلى دعم نفسي آمن.
كذلك يدفع الخوف من الوصمة بعض الشباب إلى تجنب العيادات النفسية، فيلجأون إلى نصائح الإنترنت والأصدقاء، ثم يتحول البحث عن الهدوء إلى اعتماد خطر على أدوية لا يفهمون آثارها.
ومن هنا، يصبح غياب الإرشاد النفسي داخل المدارس والجامعات سببًا مباشرًا في اتساع المشكلة، لأن الشاب المتروك للضغط بلا مساعدة يصبح أكثر قابلية لتصديق وصفات المنصات وتحدياتها.
لزيادة خطورة المشهد، شددت النائبة هبة غالي على أهمية تعزيز دور الإخصائي النفسي داخل المؤسسات التعليمية، وتفعيل مكاتب الإرشاد النفسي والاجتماعي لمساعدة الشباب بعيدًا عن اللجوء إلى العقاقير الخطرة.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي، أن التعامل مع الاضطرابات النفسية يحتاج تشخيصًا وعلاجًا ومتابعة، وأن الوصمة المجتمعية تمنع كثيرين من طلب المساعدة في الوقت المناسب.
وعليه، فإن حماية الشباب لا تبدأ من مصادرة الدواء بعد انتشاره، بل من فتح أبواب العلاج النفسي الآمن، وتوفير خدمات ميسرة، ومواجهة خطاب العيب الذي يدفع المرضى إلى السرية والخطر.
وفي سياق متصل، دعت النائبة إلى تنسيق بين وزارتي الاتصالات والصحة لرصد وحجب الصفحات والمجموعات التي تروج لاستخدام الأدوية النفسية أو تقدم نصائح غير علمية بشأنها.
ومن ثم، فإن المعالجة الجادة تحتاج منظومة واحدة تجمع الصحة والاتصالات والتعليم والرقابة الدوائية، بدل ترك كل جهة تعمل وحدها، بينما يتحرك السوق غير المنضبط بسرعة أكبر من الدولة.
لهذا، يجب أن تتحول التحذيرات إلى إجراءات واضحة، تشمل تتبع صرف الأدوية، معاقبة المخالفين، مراقبة المحتوى المضلل، وتوسيع خدمات الصحة النفسية، حتى لا يبقى الشباب فريسة للضغط والترويج.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة الكلوزابين خطر دواء فقط، بل تكشف بلدًا يترك شبابه بين ضغط اجتماعي قاس، ورقابة دوائية مثقوبة، ومنصات تبيع الوهم حتى يصبح العلاج طريقًا إلى الموت.

