كشفت عزبة الدخاخين التابعة لمركز باريس بمحافظة الوادي الجديد عن كارثة زراعية تهدد أكثر من 15 ألف نخلة مثمرة، بعد تعطل بئر الري الرئيسي لأكثر من شهر، وسط خسائر متصاعدة ومصير غامض لمئات الأسر.

 

وتحوّلت الأزمة إلى شاهد جديد على إدارة رسمية تترك القرى الصحراوية فريسة للعطش، حيث يدفع المزارعون ثمن تقاعس فادح، بينما تتبخر وعود الإنقاذ أمام نخيل يمثل مصدر الرزق الوحيد للأهالي.

 

بئر معطل ونخيل يحتضر

 

في البداية، أكد الأهالي أن البئر الرئيسي المغذي لزراعات العزبة توقف عن العمل، ما قطع المياه عن مساحات واسعة من النخيل، وترك آلاف الأشجار المثمرة تحت تهديد مباشر بالهلاك.

 

وبحسب المزارعين، لم يكن التعطل مفاجئًا، بل جاء بعد أعطال متكررة في الغاطس والمواسير والكابلات، وسط غياب صيانة جادة تسبق الانهيار، أو خطة عاجلة تمنع وصول الأزمة إلى هذه المرحلة.

 

كما أوضح الأهالي أنهم تحملوا تكاليف مالية ضخمة من جيوبهم الخاصة، بعدما اشتروا غواطسين جديدين، ودفعوا مصروفات الصيانة وإعادة اللف، دون أن تنجح تلك المحاولات في إعادة الري بصورة مستقرة.

 

ومن ثم، تحولت الأزمة إلى استنزاف مزدوج، فالأرض عطشى، والمال يضيع في إصلاحات مؤقتة، بينما يظل البئر خارج الخدمة، ويقف المزارع وحده بين موت الزرع وعجز المؤسسات.

 

غير أن الكارثة اتسعت عندما احترق الغاطس بعد تشغيله لمدة 12 ساعة فقط، ليعود الأهالي إلى نقطة الصفر، بعدما ظنوا أن الأزمة انتهت، فإذا بالعطل يكشف هشاشة الحلول الرسمية.

 

لذلك، لم تعد المشكلة مجرد موتور محترق أو ماسورة تالفة، بل صارت عنوانًا لفشل إدارة مرفق حيوي، يعتمد عليه مئات المواطنين في الغذاء والعمل والإنفاق اليومي على أسرهم.

 

وبينما يحتاج النخيل في الأرض الرملية إلى الري كل 4 أيام، يؤكد الأهالي أن المياه انقطعت لفترة طويلة قاربت 60 يومًا، ما يهدد محصول عام كامل بالضياع الكامل.

 

30 بئرًا جديدة ومنسوب يتراجع

 

في المقابل، قال حسين سيد عبدالله، أحد مزارعي عزبة الدخاخين، إن مسؤولي الري حفروا أكثر من 30 بئرًا بالمنطقة، وهو ما أثر على منسوب المياه الجوفية وجعل الجفاف خطرًا متوقعًا.

 

وعلى الرغم من إعلان الإحلال والتجديد، يؤكد الأهالي أن ما جرى لم يتجاوز إعادة تركيب مواسير وكابلات متهالكة منذ سنوات، دون تغيير جذري يضمن تشغيل البئر بكفاءة أو يحميه من الانهيار.

 

وبالتالي، تكشف الواقعة فجوة واسعة بين بيانات المسؤولين وواقع المزارعين، حيث تعلن الجهات المختصة عن تدخلات فنية، بينما يكتشف الأهالي بعد ساعات قليلة أن الأزمة عادت أشد قسوة.

 

كما أن حفر آبار جديدة دون إدارة دقيقة للخزان الجوفي يثير أسئلة خطيرة حول جدوى التخطيط المائي، خاصة في محافظة تعتمد على المياه الجوفية كمصدر أساسي للحياة والزراعة.

 

وفي هذا السياق، يحذر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، من التعامل مع الخزانات الجوفية الصحراوية باعتبارها موردًا مفتوحًا، لأن سوء السحب يهدد الاستدامة المائية.

 

بناءً على ذلك، لا تبدو أزمة الدخاخين منفصلة عن السياسات العامة لإدارة المياه الجوفية، بل تكشف نتيجة مباشرة لتوسع غير مضبوط، وغياب رقابة هندسية دقيقة على المناسيب والمعدات.

 

علاوة على ذلك، تؤكد أدبيات وزارة الموارد المائية والري نفسها أهمية الإدارة الرشيدة للخزانات الجوفية في الوادي الجديد، بما يجعل ترك القرية عطشى تناقضًا صارخًا بين الخطاب والتنفيذ.

 

لكن الواقع على الأرض يقول إن الرؤية الرسمية لم تصل إلى عزبة الدخاخين، حيث يواجه الأهالي الكارثة بالاستغاثات، بينما تنتظر الأشجار قرارًا فنيًا عاجلًا لا يحتمل المماطلة.

 

أسر مهددة وخسائر لا تعوض

 

إلى جانب الضرر الزراعي، تهدد الأزمة اقتصاد عائلات كاملة تعتمد على النخيل مصدرًا رئيسيًا للدخل، إذ لا يملك كثير من المزارعين بدائل حقيقية تعوض خسارة الموسم أو موت الأشجار.

 

كذلك يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، أن اضطراب المياه ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والدخل الريفي، خصوصًا في البيئات الزراعية الهشة.

 

ومن هنا، يصبح ترك المزارعين يتحملون تكلفة إصلاح البئر فضيحة إدارة، لأن الأمر لا يتعلق بمساعدة اختيارية، بل بمرفق ري عام يفترض أن تحميه الدولة وتصونه قبل انهياره.

 

لزيادة خطورة المشهد، تأتي الأزمة مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة، وهي ظروف تزيد احتياج النخيل للمياه، وتضاعف أثر العطش على الجذور والثمار والمحصول المنتظر.

 

وفي هذا الإطار، يحذر الدكتور محمد فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، من خطورة اضطراب الري خلال موجات الحرارة، لأن الإجهاد الحراري يضرب المحاصيل ويقلل قدرتها على التعافي.

 

وعليه، فإن تأخر التدخل الرسمي لم يعد مجرد بطء إداري، بل أصبح عاملًا مباشرًا في مضاعفة الخسائر، لأن كل يوم بلا ري يعني خطوة جديدة نحو موت الأشجار وتدمير الدخل.

 

وفي سياق متصل، ناشد الأهالي المحافظ وعضو مجلس النواب ومسؤولي الري بمركز باريس ومحافظة الوادي الجديد، إلا أن الاستجابة ظلت دون مستوى الكارثة، ما زاد غضب المزارعين وشعورهم بالخذلان.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف مبالغ 70 ألف جنيه لإعادة لف الموتور و140 ألف جنيه لشراء موتور جديد حجم العبء الذي حُمل للأهالي، بدل أن تتحمله الجهة المسؤولة عن إدارة الري.

 

لهذا، يطالب أهالي عزبة الدخاخين بتدخل عاجل من وزير الموارد المائية والري، وإرسال لجنة فنية متخصصة من قطاع المياه الجوفية، لتشخيص العطل ووضع حل هندسي لا ينهار بعد ساعات.

 

وفي النهاية، لا تبدو عزبة الدخاخين مجرد قرية عطشى، بل نموذجًا لإهمال يهدد الأرض والناس، ويترك 15 ألف نخلة ومئات الأسر في مواجهة مصير قاسٍ صنعته الإدارة قبل الجفاف.