وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
ما الذي يدفع شخصًا تولّى السلطة في بلاده على خلفية أنّه النموذج المُناقض لهمجية وعنصرية دونالد ترامب قبل سنوات أن ينتقل من النقيض إلى النقيض، ويجلس مثل قطّة أليفة تتمسّح في حذاء سروال ترامب أمس، ويُسمعه ما تقول راقصة عجوز في زبون يُغرقها بعطاياه وأمواله؟
فاز أمين عام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مارك روته، برئاسة حكومة بلاده (هولندا) في العام 2017، بعد أن طرح نفسه البديل الليبرالي الديمقراطي المُتحضّر ضدّ الترامبية الصاعدة ومرشّحها المنافس له، اليميني، العنصر المتطرّف المدعوم من البيت الأبيض، خيرت فيلددرز، غير أنّه بعد تسع سنوات يتحدّث بين يدي ترامب أمس، مُنافقًا، متزلّفًا، مُتغزّلًا بالرئيس الأميركي، مانحًا إياه لقب "زعيم العالم الحر". هكذا، مرّة واحدة، صار "سيد الإبادة الجماعية" رمزًا للحرية ومثالًا للأحرار، وكأنّه جيفارا أو مارتن لوثر كينغ، بنظر أمين عام حلف شمال الأطلسي، الذي جاء إلى البيت الأبيض يحمل الأرقام المُزيّفة وخرائط البيانات الكاذبة، ليقول لترامب: أنت سيدنا وقائدنا وقدوتنا، ويسبّ إيران، ويُشيد بكلّ جرائم الحرب التي ارتكبها "زعيم العالم الحر"، ويدّعي أنّ أوروبا كانت مشاركة له عسكريًّا في الحرب على إيران، ويزعم أنّ 500 طائرة أميركية أقلعت من إيطاليا وحدها لدعم الهجوم على إيران.
هنا يقدّم أمين عام حلف ناتو نفسه جنديًا هزيلًا في حرب البروباغاندا التي يشنّها الرئيس الأميركي على رئيسة وزراء إيطاليا، دورجيا ميلوني، والتي يهبط فيها إلى مستوى امرأة ردّاحة في حارة شعبية، فيزعم إنّ السيدة كانت تطارده وتتوسّل إليه لالتقاط صورة معه، وهو ما دفعها إلى السخرية من مستوى خطاب رئيس أكبر دولة، مُعلنةً أنّها لا هي ولا إيطاليا تتوسّل لأحد.
وراء إهانات دونالد ترامب زعماء أوروبا، التي اتسعت لتشمل رئيس فرنسا ورئيسي وزراء بريطانيا وإسبانيا وغيرهم، أنّ الدول الأوروبية في معظمها رفضت زجّ نفسها في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واستخدام حلف ناتو فيها، فما الذي جعل أمين عام الحلف ينخفض إلى هذا المستوى من نفاق الرئيس الأميركي؟. ... هل يكفي أنّ دونالد ترامب يعتبر نفسه صاحب الفضل على مارك روته في وصوله إلى تولي منصب أمين عام الحلف، حيث قال حرفيًا: "روته لم يكن ليتولى منصب أمين عام ناتو لولا دعمي الشخصي".
يطرح دونالد ترامب نفسه دائمًا بوصفه "صانع الملوك"، مُعترفًا بأنّه يتدخّل في الانتخابات المحلية للدول في كلّ القارات لإنجاح مرشّحين وإسقاط آخرين، مُتفاخرًا بدوره في الحالتين الأحدث، انتخابات الأرجنتين ثم كولومبيا، حيث استطاع مرشّحان ترامبيان يمينيان، لا يخفيان انحيازهما الصهيوني الكامل، الفوز برئاسة البلدين، ميلي في الأرجنتين، ثم دي لاسبيريا في كولومبيا، فعن أيّ عالم حر يتحدّث أمين عام شمال الأطلسي (ناتو) عن ترامب زعيمًا له؟
في فنزويلا، كانت زعامة ترامب العالم الحرّ أوضح، حين غزا دولة عسكريًّا واختطف رئيسها المنتخب انتخابًا حرًّا، واعتقله في زنزانة أميركية واستولى على ثرواتها من النفط والمعادن، ثم راح يقدّم بعض الوعود ببعض الفتات إلى كلّ من قد ينتقدون جريمة غزو عسكري لكلّ دولة تتمرّد على جنونه، ثم وجدت أوروبا التي سكتت على الجريمة الأميركية في فنزويلا نفسها أمام القرصان نفسه، وقد اتجه شمالًا إلى أوروبا، حيث تحرّش بجزيرة تابعة لمملكة الدنمارك، وكأنّه يرى دول أوروبا العجوز مجموعة من جمهوريات الموز، ويمارس وصايته السياسية والعسكرية عليها.
كيف يكون زعيمًا للعالم الحر ذلك الذي قفز من أكثر صفحات تاريخ الاستعمار القديم سوادًا، واختبأ في كهوف الزمن، حتى أطلّ علينا ومعه مجموعة من القراصنة الصغار يردّد خطابًا منقولًا بالحرف من عالم الجريمة، ويفرضه علينا باعتباره عصارة حكمة سقراط وأفلاطون وهيغل وكانط، وخلاصة روح الأديان السماوية والوضعية؟

