علي باكير

كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران

 

غالبًا ما يبدو الجاهل الذي يجهل أنّه جاهل أكثر ثقة وأقل علمًا في مخاطبة العامة. ومع أنّ هذا السلوك ليس حديثا أو طارئًا، إلا أنّه بات أكثر خطورة وانتشارًا هذه الأيام. فالذين لا يعرفون عن موضوع معيّن إلا القليل، كثيرًا ما تنقصهم المعرفة ذاتها التي يحتاجون إليها لإدراك مدى ضحالة معرفتهم. بمعنى آخر، فإنّ الجهل يُخفي نفسه في هذه الحالة، فالمبتدئ يرى صورةً بسيطةً فيظنّها المشهدَ برمتّه. وقد ربط كل من العالمين ديفيد دانينغ وجاستن كروغر هذه الظاهرة بما يعرف باسم الوهم المعرفي أو الجهل المركب.

 

لطالما كانت هذه المشكلة خاصة أو ذات تأثير محدود عبر التاريخ، فادعاء أحدهم بشي ليس فيه غالبًا لا يتجاوز ضرره عتبة باب بيته. لكن مع مجيء الراديو والتلفاز، بدأت الظاهرة بالانتشار، وضررها بالتوسع لكن مع ذلك، بقيت تحت السيطرة نظرًا لوجود حد أدنى من القواعد التي تنظم هذا العمل. لكن مع دخول مواقع وأدوات التواصل الاجتماعي إلى الفضاء العام، تغيّر كل شيء. منشور واحد أو تسجيل واحد أو مقابلة واحدة أو تعليق واحد باستطاعته أن يصل الملايين في ثوانٍ قليلة في نفس الوقت، وأن يتم تداوله والإعجاب به، والتعليق عليه من قبل ملايين أخرى.

 

المشكلة تزداد سوءً ليس فقط لوجود الجهل أو تسويقه وإنما لأنّ المنصّات تكافئ الشيء الخطأ تمامًا، وهو حجم الإعجابات والتداولات والمشاركات، لا الدقّة. فالجرأة تنتقل أسرع من الحذر، ويصبح اليقينُ الذاتي عن شيء معيّن مساوٍ بشكل آلي بالمعرفة الحقيقية عن أي شيء تتحدث عنه.

 

لكنّ للقصّة وجها أكثر قتامة، وهو الذي ينبغي أن نخشاه أكثر من غيره. فأصحابُ هذه الأصوات من الجهلاء الأكثر نجاحًا ليسوا مجرّد مخطئين يجهلون حدودهم، بل اكتشفوا أمرًا بالغ القوّة وهو أنّ الجماهير تكافئ من يقول لها ما تودّ سماعه أصلًا. لا يحتاج الأمر إلى أن يكون إدّعاؤك أو تحليلك أو تقييمك أو كلامك صحيحًا أو دقيقًا او صائبًا، يكفي أن يبدو كذلك للآخرين.

 

ويمكن تحقيق ذلك من خلال تغليفه بشيء من المنطق السطحيّ الذي يمنح المستمعين انطباعًا بصحّته. مقارنة شعبوية هنا، ومقابلة واثقة هناك، وخلاصة مريحة تُداعب ميول الجمهور، وانتهى الموضوع. معادلة بسيطة، هو يقدّم اليقين والتزكية، والجمهور يقدّم التصفيق والانتشار، والحقيقة أو الدقة أو المعرفة ببساطة ليست جزءً من هذه المعادلة. المشكلة الأكبر تحصل عندما يتدخّل الخبير الحقيقي ليصحّح الأمر أو ليعلّق أو ليدلو بدلوه أو حتى ليقل رأيه أو يشير إلى مكمن الخطأ.

 

ما يحدث بعدها يجعل هذه الظاهرة عصيّة على العلاج. بدلًا من أن يتم التراجع، يتم الهروب إلى الأمام وتحويل الجمهور إلى سلاح، فيُعاد تصوير التصحيح على أنه تكبّر، والإستشهادات على أنها استعلاء، والاعتراض على أنه نظرة مخالفة لعامة الناس، أو نقيصة أو جريمة. وفجأة، يتم عكس المشهد حيث يصبح الادعاء عملًا صحيحًا، والتصحيح ادّعاءً، ويُعاد تصوير الصواب على أنه جهل، والتصحيح على أنه اضطهاد. وهكذا تُغلَق الحلقة المفرغة، ولا يكتفي الجهل بالنجاة من المواجهة، بل ينتصر فيها، على الملأ، وسط هتاف الجماهير.

 

هذه الحلقة المفرغة لا تنتج معرفة أو علمًا أو تصدّر حقيقةً وواقعًا، وإنما تخلق عالمًا وهميًا، عالمًا موازيًا للعالم الحقيقي لا يرتبط به بأي شيء سوى بفضحة تزداد عمقًا وبعدًا عن الواقع.

 

ففي الأحوال السويّة، يحسم الدليل الخلاف ويسود الرأي الأحسن بالحجّة. أما هنا فيصير الدليلُ نفسه حجّة على الخبير تبعده عن الجمهور وتضعه في مواجهة خاسرة مع الجاهل، وهكذا يستطيع أيّ مدّعٍ واثق أن يخسر كل حُجّة على صعيد الوقائع، ويكسب الجمهور رغم ذلك! المشكلة أنّ هذا السلوك لم يعد مجرّد ظاهرة وإنما تحول الى عقيدة في كثير من الأحيان.

 

ولأنّ هذا السلوك يتحوّل الى عقيدة، فهذا يعني أنّ جمهور هذه الفئة لا يتعلّم أو لا يريد أن يتعلّم. فحين يُسدي جاهل واثق نصيحةً في الصحّة أو المال أو الدواء، يصدّقه كثيرون لمجرّد أنه يبدو واثقًا أو لأنّ عدد متابعيه يبدو ضامنًا له.

 

لكنّ اليقين ليس دليلًا. والنصيحة السيّئة في علاجٍ أو استثمارٍ أو حِميةٍ قد تكلّف الناس مدّخراتهم أو عافيتهم، ومع ذلك ترى انّ عدد المتابعين يزداد ولا ينقص! وفي بعض الاختصاصات الأخرى تكون الكارثة أكبر، إدعاء القدرة على قيادة طائرة قد يؤدي الى مقتل الركاب، لكن إدعاء القدرة على تشخيص او تحليل السياسة دون وجود خبرة حقيقة قد يؤدي الى مقتل مجتمعات.