سجّل البنك المركزي المصري تراجعًا في متوسط الدولار داخل البنوك إلى نحو 49.80 جنيه للشراء و49.94 جنيه للبيع، بعد هبوط أسبوعي تجاوز 2 جنيه، بينما بقيت النتيجة غائبة عن الأسواق وجيوب المواطنين.

 

وبينما ربطت روايات مصرفية الهبوط بانخفاض التوترات الإقليمية وتراجع الطلب على العملة الصعبة، ظل المواطن محاصرًا بالسؤال الأهم: لماذا تتحرك الأسعار مع صعود الدولار فورًا، ثم تتجمد عند هبوطه وكأن الجنيه لم يتحسن.

 

الأزمة هنا ليست رقمًا على شاشة بنك، بل مشهد سياسي وإنساني يفضح اقتصادًا يطلب من الفقراء الصبر عند الغلاء، ثم يحرمهم من أي مكسب عند الانفراج، تحت عين حكومة تراقب ولا تضبط.

 

هبوط مصرفي لا يصل إلى السوق

 

وبالتالي، فإن تراجع الدولار من مستويات قريبة من 52 جنيهًا إلى ما دون 50 جنيهًا داخل البنوك، لم يتحول إلى انخفاض ملموس في الغذاء أو الدواء أو النقل أو مستلزمات البيوت اليومية.

 

كما أن السوق المصري اعتاد التعامل مع الدولار باعتباره ذريعة للرفع لا معيارًا عادلًا للتسعير، فإذا صعدت العملة الأمريكية ارتفعت السلع فورًا، وإذا هبطت بدأت خطب الانتظار والمخزون القديم وتكاليف التشغيل.

 

لزيادة المفارقة، يتحدث بعض المسؤولين عن مرونة سعر الصرف وكأنها إنجاز كافٍ، بينما لا يرى المواطن من هذه المرونة سوى فواتير أعلى، ورواتب منهكة، وأسعار لا تعرف طريق العودة.

 

لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا هبط الدولار، بل لماذا لا تملك الدولة آلية تلزم السوق بترجمة هذا الهبوط إلى تخفيضات واضحة، خاصة في السلع المستوردة أو المرتبطة مباشرة بمدخلات مستوردة.

 

ومن ثم، فإن المواطن لا يحاسب البنك المركزي على لوحة الأسعار وحدها، بل يحاسب منظومة كاملة سمحت للتجار بتسعير الخوف، وتسعير الحرب، وتسعير الدولار المرتفع، ثم تجاهلت تسعير الانخفاض.

 

غير أن الخبير المصرفي وليد عادل يرى أن التراجع الحالي يرتبط بانخفاض الطلب وتحسن المناخ الجيوسياسي، لكنه يحذر من أن المواطن لن يشعر سريعًا بالهبوط لأن التجار يحتفظون بالأسعار المرتفعة.

 

علاوة على ذلك، يكشف هذا التشخيص خللًا رقابيًا واضحًا، فالسوق الذي يلتقط خبر ارتفاع الدولار خلال ساعات، لا يحتاج شهورًا كي يراجع الأسعار عند الهبوط، لكنه يحتاج قانونًا يردعه.

 

تجار يربحون مرتين والمواطن يدفع دائمًا

 

بناءً على ذلك، تبدو الحلقة الأكثر قسوة في الأزمة أن التاجر يرفع السعر وقت الاضطراب بدعوى حماية نفسه، ثم يرفض التخفيض وقت الاستقرار بدعوى المخزون، فيربح مرتين ويدفع المواطن دائمًا.

 

في المقابل، لا توجد شفافية كافية حول تكاليف الاستيراد الحقيقية، ولا حول حجم المخزون المسعر بالدولار القديم، ولا حول هوامش الربح، فيتحول المستهلك إلى الحلقة الأضعف في سوق بلا ذاكرة.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة التي تتحدث كثيرًا عن ضبط الأسواق تترك المواطن أمام رفوف لا تعترف بانخفاض الدولار، وتترك الرقابة تتحرك غالبًا بعد الضجيج الإعلامي لا قبل وقوع الاستنزاف.

 

كذلك، فإن استمرار الأسعار المرتفعة رغم تحسن الجنيه يضرب ثقة المواطن في أي خطاب اقتصادي رسمي، لأن الناس لا تقيس النجاح بسعر الصرف في النشرات، بل بسعر الزيت والسكر والدواء.

 

وفي هذا السياق، سبق للخبير الاقتصادي هاني جنينة أن ربط توقعات الدولار بمسار التوترات والفائدة والتدفقات، ما يعني أن أي تحسن في الجنيه يظل هشًا إذا لم يتحول إلى إنتاج وتوفير حقيقي.

 

لكن المشكلة أن هشاشة التحسن لا تبرر تثبيت الغلاء، فحتى لو كان الهبوط مؤقتًا، يفترض أن تظهر مراجعات جزئية في أسعار السلع الأكثر ارتباطًا بالدولار، بدل تحويل كل تراجع إلى خبر بلا أثر.

 

ثم إن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتحرك تحت سلطة قانونية ورقابية يفترض أنها تحمي المستهلك من الاحتكار والمغالاة، لا أن تكتفي بمشاهدة التجار وهم يبتلعون أثر انخفاض العملة.

 

وفوق ذلك، فإن ترك الأسعار دون ضبط يوسع الفجوة بين الأرقام الرسمية والحياة اليومية، فيشعر المواطن أن كل تحسن اقتصادي معلن يحدث في عالم آخر لا يسكنه أصحاب المرتبات والمعاشات.

 

حكومة تتحدث عن الاستقرار وتترك الفاتورة للفقراء

 

على صعيد أوسع، يضع تراجع الدولار الحكومة أمام اختبار سياسي لا مصرفي فقط، فإما أن تثبت أن الانخفاض لصالح المجتمع، أو تؤكد أن كل مكاسب الاستقرار تذهب للمستوردين والتجار وحملة الأصول.

 

ومع ذلك، لا يمكن فصل الأزمة عن سنوات من التعويم والديون ورفع الدعم وزيادة الرسوم، حيث جرى تحميل المواطن فاتورة الإصلاح، ثم لم يحصل على نصيبه عند أي تحسن جزئي.

 

وفي قراءة قريبة، يرى الدكتور مدحت نافع أن تحركات الجنيه ترتبط بمرونة الطلب وموسمية الاحتياجات والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يوضح أن سعر الصرف لم يعد رقمًا إداريًا بل نتيجة لضغوط متشابكة.

 

إلا أن هذا التشابك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية، لأن المواطن لا يستطيع انتظار النظريات الاقتصادية بينما تنزف ميزانيته الشهرية، ولا يمكن مطالبته بتفهم السوق دون أن يحميه أحد من جشعه.

 

كذلك، أشارت الدكتورة عالية المهدي في أكثر من طرح اقتصادي إلى أثر الاختلالات الهيكلية والتضخم على شعور المواطنين بالأزمة، وهو ما يفسر لماذا لا يكفي تحسن العملة وحده لكسر موجة الغلاء.

 

ومن هنا، فإن هبوط الدولار يصبح بلا قيمة اجتماعية إذا بقي التضخم النفسي والتجاري مسيطرًا، وإذا ظل التجار يسعرون السلع على أسوأ سيناريو، بينما المواطن مطالب بالتأقلم مع كل سيناريو.

 

ثم إن الحكومة مطالبة بإعلان خريطة واضحة للأسعار، تبدأ بالسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وتكشف للمواطن أين يجب أن يظهر أثر انخفاض الدولار، ومن يرفض التخفيض رغم تغير تكلفة الاستيراد.

 

في النهاية، لا يكفي الاحتفاء بهبوط الدولار أمام الجنيه داخل البنوك، لأن المعركة الحقيقية في السوق، حيث تتحول السياسة النقدية إلى خبز ودواء ومواصلات، أو تتحول إلى رقم جديد في نشرات الحكومة.

 

لذلك، فإن السؤال الذي يطارد المشهد ليس: كم خسر الدولار؟ بل: لماذا لا يكسب المواطن؟ ومن يحاسب من حوّل كل ارتفاع للعملة إلى غلاء فوري، وكل انخفاض لها إلى صمت ثقيل.