طرحت مبادرة «المصير المشترك 2035» نفسها كمشروع حوار عربي أوروبي واسع، يسعى إلى تجاوز معادلات الاستقطاب الحاد في المنطقة، وفتح مساحة مشتركة بين الشعوب والمؤسسات والشخصيات العامة، بعيدًا عن ثنائية القمع أو الفوضى، وبهدف بناء شراكات مستقبلية تقوم على الديمقراطية والتنمية والاستقرار.
وجاءت المبادرة، التي أثارت جدلًا واسعًا خلال الأيام الماضية، باعتبارها محاولة لنقل النقاش من حدود الصراع السياسي الضيق إلى أفق أوسع، يقوم على سؤال المصالح المشتركة بين ضفتي المتوسط، بدل الاكتفاء بمنطق الخصومة أو الصدام أو احتكار الحكومات وحدها لصناعة المستقبل.
وتقوم الفكرة الأساسية للمبادرة على أن العلاقة بين العالم العربي وأوروبا لا يمكن أن تبقى محكومة فقط بملفات الأمن والهجرة والطاقة والصفقات، بل يجب أن تمتد إلى قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والشباب والذكاء الاصطناعي والتنمية والتبادل الثقافي، باعتبارها ملفات تشكل مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
الدولة ليست الحكومة والمعارضة ليست خصومة
في قلب الجدل الذي صاحب المبادرة، أكد الدكتور أيمن نور أن صلته بالدولة المصرية لم تنقطع يومًا، رافضًا اختزال مفهوم الدولة في الحكومة أو الأجهزة، ومشددًا على أن الدولة أوسع من السلطة، لأنها تضم الشعب والمؤسسات والمجتمع المدني والإعلاميين والقضاة والبرلمانيين وكل مكونات المجال العام.
وشدد نور على أن المعارضة لا تعني الخصومة مع الدولة، وأن الخلاف مع الحكومة أو السلطة لا يعني الانفصال عن الوطن، معتبرًا أن المعارضة في جوهرها تساعد ولا تهدم، وتراقب وتنتقد وتقترح، ولا يجب أن تتحول في الخطاب الرسمي إلى مرادف للخيانة أو العداء.
ومن هذه الزاوية، حاولت المبادرة أن تقدم نفسها كصوت ثالث لا يتحدث باسم تيار سياسي بعينه، ولا باسم حكومة أو معارضة، وإنما ضمن دبلوماسية شعبية وطنية وعربية، تبحث عن لغة مستقبلية عاقلة، يمكن من خلالها فتح حوار خارج القوالب المغلقة التي تعاقب كل رأي مستقل.
وأوضح نور أن «المصير المشترك 2035» ليست مبادرة حزبية أو أيديولوجية، وأن الموقعين عليها شاركوا بصفتهم الشخصية، لا بصفتهم التنظيمية أو الحزبية، لافتًا إلى أن عدد الموقعين يقارب 50 شخصية عامة، بينهم رؤساء دول سابقون، ونواب رؤساء، ورؤساء وزراء، ووزراء، ومفكرون، وسياسيون، وشخصيات حاصلة على جوائز دولية.
ويعني هذا، وفق منطق المبادرة، أنها لا تسعى إلى تمثيل حكومة أو إسقاط حكومة، ولا إلى مصادرة دور المؤسسات الرسمية، بل إلى بناء خط مواز للعمل الحكومي، يستطيع عبر النخب المستقلة والمجتمع المدني أن يدعم وينصح ويفتح مجالات تفكير جديدة، كما يحدث في الديمقراطيات الحديثة التي لا تعتبر الدولة ملكًا حصريًا للسلطة التنفيذية.
وفي السياق نفسه، دافع الدكتور حسام بدراوي، أحد الموقعين على المبادرة، عن حق الناس في تقييم أي مشروع سياسي أو فكري من خلال محتواه لا من خلال ملاحقة أسماء الموقعين عليه. وأكد أن المبادرة لا تحمل لونًا أيديولوجيًا محددًا، وإنما تطرح مساحة حوار بين أوروبا وجنوب المتوسط، مشددًا على أن الاختلافات الفكرية لا تمنع التواصل الإنساني والثقافي والعلمي.
وأوضح بدراوي أنه ينضم إلى مبدأ لا إلى شخص بعينه، معتبرًا أن الحضارة تقوم على القدرة على الحوار بين الآراء المختلفة. وهذه العبارة بدت ردًا مباشرًا على الحملات التي حاولت اختزال المبادرة في أسماء معينة أو خلفيات سياسية بعينها، بدلًا من قراءة نصوصها وأهدافها وبرامجها.
أما الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، فشدد على أن المبادرة ليست قضية مصرية داخلية، ولا مشروعًا محسوبًا على تيار بعينه، وإنما مبادرة أوسع تستهدف فتح مسار تواصل بين الشعوب العربية والأوروبية. وربط المرزوقي بين قضايا المتوسط المتداخلة، من الهجرة إلى الاقتصاد والبيئة والأمن، مؤكدًا أن الرهان الأوروبي الطويل على الأنظمة الاستبدادية لم يحل أزمات المنطقة.
حوار مدني يزعج إعلام التخوين
تركز مبادرة «المصير المشترك 2035» على بناء حوار عربي أوروبي حول قضايا المستقبل، وفي مقدمتها الديمقراطية وحقوق الإنسان والشباب والهجرة والذكاء الاصطناعي والتنمية والتعاون بين ضفتي البحر المتوسط. ويرى مؤيدوها أن الهجوم عليها لم ينشغل كثيرًا بمضمونها، بل اتجه سريعًا إلى التشكيك في الأشخاص والدوافع، في تكرار لنمط مألوف يحول النقاش من الأفكار إلى التخوين.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور الحبيب الأمين، وزير الثقافة الليبي الأسبق، إن الهجوم الذي شنته بعض المنابر الإعلامية المصرية على المبادرة يعكس حالة من الانزعاج من أي تحرك مدني مستقل يناقش قضايا الجنوب المتوسطي بعيدًا عن منطق السلطة والاصطفاف السياسي.
وأضاف الأمين، خلال لقاء خاص على قناة الشرق في برنامج «إيه الحكاية» مع الإعلامية دعاء حسن، أن المبادرة تقوم على فكرة حوار جنوب متوسطي جريء ومستقل، يضم مثقفين وسياسيين وشخصيات عامة من دول عربية ومتوسطية، بهدف إعادة بناء علاقة جديدة بين ضفتي المتوسط على أساس الشراكة وحماية مصالح الشعوب والدول.
وأكد وزير الثقافة الليبي الأسبق أنه سعيد بالمشاركة في المبادرة إلى جانب نخبة من المفكرين والسياسيين العرب والمتوسطيين، مستغربًا ما وصفه بمحاولة «ليّ الفهم» حول مضمون المبادرة وغاياتها، وتحويل النقاش من فكرة سياسية ومدنية إلى حملات اتهام وشيطنة للموقعين عليها.
وأشار الأمين إلى أن بعض الهجوم ركز على المرجعيات الأيديولوجية للمشاركين بدلًا من مناقشة مضمون المبادرة، معتبرًا أن هذا الأسلوب شائع في الإعلام السلطوي العربي، لكنه يظل مستغربًا عندما يتعلق الأمر بفكرة مطروحة للنقاش العام حول مستقبل العلاقات بين الجنوب والشمال في المتوسط.
وتكشف ردود الفعل الغاضبة، في نظر مؤيدي المبادرة، أن أكثر ما يثير حساسية خصومها هو طبيعتها الحوارية والشعبية والمستقلة؛ فهي لا تتحرك عبر قنوات حكومية تقليدية، ولا تخضع لسيطرة الأنظمة، ولا تقبل اختزال المجال العام في صوت واحد، كما أنها تطرح الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفها جزءًا من معادلة الاستقرار لا نقيضًا لها.
وقال الأمين إن ما يثير قلق بعض الأنظمة العربية من المبادرة هو أنها صادرة عن نخب مدنية مستقلة لا تتحرك بتعليمات السلطة ولا تعمل تحت مظلتها، معتبرًا أن الأنظمة غير الديمقراطية تنزعج من أي خطاب يتجاوز حدود الرقابة الرسمية أو يطرح قضايا الشأن العام بمنطق مستقل.
وأضاف أن السلطات السلطوية في العالم العربي اعتادت النظر إلى المواطنين باعتبارهم رعايا لا شركاء، ولا تؤمن بدور النخب المدنية والثقافية في مناقشة القضايا الداخلية، فضلًا عن القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما يفسر حملات التخوين والاتهام التي استهدفت المبادرة وموقعيها.
وفي المقابل، أكد الأمين أن المبادرة لا تستهدف أي دولة ولا تمس سيادة أحد، بل تطرح حوارًا ثقافيًا وفكريًا عميقًا حول قضايا عالقة بين ضفتي المتوسط، وتهدف إلى فتح آفاق جديدة لعلاقة أكثر توازنًا وعدالة بين الجنوب والشمال.
المتوسط بين الشراكة والوصاية
تستند مبادرة «المصير المشترك 2035» إلى رؤية تعتبر أن أمن وازدهار ضفتي المتوسط مترابطان، وأن أي مقاربة مستقبلية يجب أن تقوم على منتدى حواري استراتيجي سنوي، وبرامج لدعم الشباب وريادة الأعمال، ومرصد مستقل لمتابعة التنمية والديمقراطية، وبرامج للتبادل الثقافي، مع الدعوة إلى مقاربة جديدة للأمن المستدام تقوم على التنمية الاقتصادية والديمقراطية.
ولا تأتي المبادرة من فراغ، فقد سبقتها أطر ومبادرات عديدة للحوار والتعاون المتوسطي، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي، مثل الاتحاد من أجل المتوسط، والحوار المتوسطي، ومنتديات التعاون البرلماني والثقافي والشبابي. لكن ما يميزها أنها تحاول ربط قضايا المستقبل السياسي والحقوقي والاقتصادي في إطار واحد، يمنح الشعوب والنخب المستقلة مساحة أكبر في صياغة الرؤية.
وتسعى المبادرة إلى إعادة تعريف العلاقة بين أوروبا والعالم العربي على أساس الشراكة لا الوصاية، والحوار لا الابتزاز، والمصالح المشتركة لا المقايضات الأمنية الضيقة. فالعلاقة بين الجانبين، كما يراها مؤيدو المبادرة، لا يجب أن تختزل في أن يتحول الجنوب إلى حارس لشواطئ أوروبا، أو منطقة عازلة لاحتواء الهجرة والإرهاب.
وشدد الحبيب الأمين على أن قضايا المتوسط، وفي مقدمتها الهجرة والإرهاب والاقتصاد وموارد الطاقة والأمن الجماعي، تحتاج إلى تفكير جديد وآليات مختلفة، لا تقوم على تحويل دول الجنوب إلى حراس للشواطئ الأوروبية أو أدوات لحماية مصالح أوروبا وحدها.
وأوضح أن شعوب الجنوب المتوسطي عانت تاريخيًا من الحقبة الاستعمارية واستنزاف الموارد، ولا يمكن التعامل معها اليوم باعتبارها مجرد مناطق عبور أو أماكن لاحتواء أزمات الهجرة. والمطلوب، بحسب رؤيته، هو مشروع إقليمي ودولي أكثر إنسانية وتنظيمًا، يراعي أولويات التنمية والإعمار داخل دول الجنوب.
وفي حديثه عن ليبيا، قال الأمين إن بلاده لا تشهد هجومًا رسميًا مماثلًا على المبادرة، مرجعًا ذلك إلى أن ليبيا لا تملك دولة موحدة بقدر ما تعيش تحت سلطات أمر واقع نتجت عن ترتيبات دولية وإقليمية وصفقات سياسية، وهو ما يجعل هذه السلطات غير منشغلة بمثل هذه المبادرات المدنية.
وبهذا المعنى، لا تطرح المبادرة نفسها بديلًا عن الحكومات، لكنها ترفض أيضًا أن تبقى القضايا الكبرى حكرًا عليها. فهي تريد فتح مجال أوسع للنقاش، تكون فيه النخب المدنية والثقافية والسياسية قادرة على التأثير في صياغة التصورات، بدلًا من ترك المستقبل بالكامل لمعادلات الأمن والصفقات والسلطة.
وتسببت المبادرة خلال الأيام الماضية في جدل واسع داخل الأوساط الإعلامية والسياسية المصرية، بعد انضمام شخصيات عامة إليها، من بينها الدكتور حسام بدراوي، وسط هجوم إعلامي حاد طال المبادرة والموقعين عليها، مقابل دفاع من مؤيديها باعتبارها مساحة حوار مدني حول مستقبل المنطقة المتوسطية.
وفي النهاية، تكشف «المصير المشترك 2035» عن سؤال أعمق من الجدل حول الأشخاص والأسماء: هل تستطيع المنطقة العربية أن تنتج حوارًا مستقلًا حول مستقبلها، أم ستظل كل محاولة مدنية محاصرة بالتخوين والاتهام؟ وبينما يحاول منتقدوها حصرها في الخلفيات السياسية، يصر مؤيدوها على أن جوهرها الحقيقي هو البحث عن مستقبل مشترك قائم على الحرية والتنمية والسلام.

