أعلن جيش الاحتلال الصهيوني، الخميس، مقتل اثنين من عناصره وإصابة أربعة آخرين بجروح خطرة إثر انفجار عبوة ناسفة في بلدة مجدل زون بقضاء صور جنوبي لبنان، في حادث يعكس استمرار المخاطر الميدانية داخل المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية، بينما يواجه سكان الجنوب اللبناني حربًا أخرى على أرزاقهم وأراضيهم الزراعية.

 

وقال جيش الاحتلال إن القتيلين هما الرائد هاريل بيرنستوك والرقيب أول تامير فاكنين، وإن الحادث وقع الأربعاء، فيما أفادت وسائل إعلام عبرية بأن عبوة ناسفة انفجرت بالقوة أثناء وجودها في مجدل زون، من دون أن يحسم الجيش ما إذا كانت العبوة زُرعت حديثًا أم بقيت في المنطقة من مواجهات سابقة. وتؤكد مصادر إسرائيلية مقتل جنديين وإصابة أربعة بجروح خطرة في انفجار عبوة جنوبي لبنان.

 

وتأتي الخسائر الإسرائيلية بينما يتواصل التصعيد في جنوب لبنان، حيث شهدت بلدة تبنين غارة إسرائيلية أسفرت، بحسب السلطات اللبنانية، عن مقتل مواطن وإصابة 12 آخرين، بالتزامن مع إنذارات إسرائيلية دفعت عائلات من بلدة المنصوري إلى مغادرة منازلها خشية تعرض المنطقة للقصف.

 

ومنذ بدء الهجوم الإسرائيلي الواسع في 2 مارس الماضي، تقول السلطات اللبنانية إن آلاف الأشخاص قتلوا وأصيبوا، بينما نزح أكثر من مليون شخص من مناطق مختلفة، في واحدة من أكثر موجات النزوح قسوة، خصوصًا في المحافظات الجنوبية والقرى القريبة من خطوط التماس.

 

ولا يقتصر أثر العمليات العسكرية على أعداد الضحايا والمنازل المدمرة، إذ تتسع تداعياتها لتشمل الاقتصاد المحلي والزراعة والثروة الحيوانية، فيما تحولت أراض كانت تشكل مصدر دخل لعائلات كاملة إلى مناطق يصعب الوصول إليها بسبب القصف والتوغلات والقيود العسكرية المفروضة على الحركة.

 

 

الأرض خلف خطوط الخطر

 

منذ ساعات الصباح الأولى، يتوجه المزارع نمر رحال إلى المساحات الزراعية التي ما زال قادرًا على الوصول إليها، محاولًا الحفاظ على ما تبقى من موسم يقول إنه يختلف جذريًا عن المواسم التي عرفها مزارعو جنوب لبنان قبل موجات التصعيد العسكري المتلاحقة.

 

وبالنسبة إلى رحال، لم تعد مهمة المزارع مقتصرة على حراثة الأرض أو زراعتها وانتظار موسم الحصاد، بل أصبحت محاولة يومية للوصول بأمان إلى الحقول، في ظل وجود مساحات واسعة بات دخولها محفوفًا بالخطر أو مستحيلًا بفعل النشاط العسكري الإسرائيلي.

 

ويقول رحال إن الاعتداءات حرمت المزارعين من استثمار أجزاء كبيرة من أراضيهم، وألحقت خسائر بمحاصيل القمح والشعير والعدس والسمسم والتبغ، فيما تتفاقم الأزمة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تصريف ما ينجح المزارعون في حصاده.

 

المشكلة الأكثر قسوة أن بعض الحقول وصلت محاصيلها إلى مرحلة الحصاد، لكن أصحابها لا يستطيعون الوصول إليها، ما يعني ضياع أموال أنفقت طوال أشهر على البذار والأسمدة والحراثة والري والعمالة قبل أن يتحول المحصول نفسه إلى ثروة محاصرة داخل منطقة خطرة.

 

وفي مناطق أخرى، لم يعد السؤال الذي يطرحه المزارعون مرتبطًا بحجم المحصول أو سعر بيعه، بل بما إذا كان الوصول إلى الأرض ممكنًا أصلًا، وهو تحول يلخص حجم الضرر الذي أصاب نمط الحياة التقليدي في القرى الحدودية.

 

وتقول تقارير ميدانية إن إسرائيل فرضت خلال الحرب ترتيبات ومناطق عسكرية تعوق وصول أعداد من السكان إلى أراضيهم وممتلكاتهم، بينما تشهد قرى جنوبية توغلات وضربات متكررة، الأمر الذي دفع النشاط الزراعي في مناطق عديدة إلى التراجع بصورة حادة.

 

 

ثلاثة مواسم من الخسائر

 

رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في مجدل سلم ومنطقة مرجعيون علي صبرا يقول إن المشكلة لم تعد مرتبطة بموسم واحد، موضحًا أن المزارعين في المناطق الحدودية يعيشون للعام الثالث على التوالي موسمًا زراعيًا خاسرًا، بما يستنزف قدرتهم على الاستمرار.

 

وبحسب صبرا، جاء حصاد القمح هذا العام متأخرًا، فيما قد يبقى نحو 80 بالمئة من محاصيل مجدل سلم داخل الحقول نتيجة تعذر الوصول إليها، وهي أزمة تتكرر، وفق تقديراته، في عدد آخر من القرى والبلدات الحدودية.

 

ويعني فقدان ثلاثة مواسم متتالية أن المزارع لا يخسر دخله السنوي فحسب، بل يخسر تدريجيًا قدرته على شراء البذار والأسمدة وصيانة المعدات واستئجار العمال ودفع تكاليف الري، ما يهدد بخروج أعداد من العاملين بالقطاع نهائيًا من دائرة الإنتاج.

 

كما تمتد الخسائر إلى الأشجار والمشاتل التي تحتاج إلى سنوات قبل بلوغ مرحلة الإنتاج، وهو ما يجعل الضرر أعمق من خسارة محصول موسمي، لأن تدمير الأشجار أو إهمالها لفترات طويلة يعني ضياع استثمارات تراكمت عبر سنوات.

 

ولا تتوقف التداعيات عند الزراعة النباتية، إذ يشير صبرا إلى انخفاض أعداد الأبقار والأغنام والماعز وخلايا النحل في المناطق المتضررة، سواء بسبب النفوق أو النزوح أو عدم قدرة أصحابها على توفير الأعلاف والرعاية اللازمة لها.

 

ويترك هذا الواقع تأثيرًا مباشرًا على اقتصاد الأسر الريفية، لأن الثروة الحيوانية والنحل تشكل مصدر دخل إضافيًا للكثير من العائلات، وتساعدها على الصمود في الفترات التي يتراجع فيها دخل المحاصيل الزراعية التقليدية.

 

وبذلك يصبح استمرار الحرب عاملًا يدفع نحو تفريغ المناطق الحدودية تدريجيًا من النشاط الاقتصادي، لأن عودة السكان إلى قراهم وحدها لا تكفي إذا لم يتمكنوا من استعادة الأراضي والماشية والأشجار والمشروعات التي اعتمدوا عليها قبل التصعيد.

 

 

الزراعة معركة بقاء

 

يطالب المزارعون الدولة اللبنانية بتقديم دعم مباشر للقطاع الزراعي في القرى الحدودية، خصوصًا من خلال توفير البذار والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، ودعم تصريف المحاصيل وتعويض المتضررين عن خسائر الأراضي والأشجار والثروة الحيوانية.

 

ولا ينظر هؤلاء إلى الدعم باعتباره مجرد تعويض مالي عن موسم فائت، بل كوسيلة لمنع انهيار قطاع كامل وضمان بقاء السكان في بلداتهم، لأن فقدان مصادر الرزق قد يدفع كثيرين إلى النزوح الدائم حتى بعد توقف المواجهات العسكرية.

 

وتزداد صعوبة المشهد مع استمرار الضربات الإسرائيلية رغم المحادثات بين بيروت وتل أبيب ومحاولات الوصول إلى ترتيبات تقلل التصعيد، فيما تظل الوقائع على الأرض محكومة بالغارات والإنذارات والتوغلات وحالة عدم اليقين التي يعيشها المدنيون.

 

أما انفجار مجدل زون ومقتل الجنديين الإسرائيليين، فيكشف من جانب آخر أن السيطرة العسكرية والتوغل داخل الأراضي اللبنانية لا يعنيان انتهاء المخاطر بالنسبة إلى القوات الإسرائيلية نفسها، إذ تبقى مناطق الجنوب بيئة شديدة التعقيد ومفتوحة على احتمالات التصعيد.

 

وفي المقابل، يدفع المدنيون اللبنانيون الثمن الأوسع والأطول عمرًا، فمن لا يفقد منزله أو أحد أفراد أسرته قد يخسر أرضه أو محصوله أو قطيعه أو مصدر دخله، بينما تتراكم الخسائر من موسم إلى آخر وتتحول آثار الحرب إلى أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة.

 

وبالنسبة إلى نمر رحال وغيره من مزارعي الجنوب، تختصر الأرض المشهد كله، فهي مصدر الرزق والارتباط بالمكان والقدرة على البقاء، لكنها أصبحت في الوقت ذاته مساحة خطر قد يؤدي مجرد الوصول إليها إلى مواجهة القصف أو الإصابة أو الموت.

 

وهكذا تبدو الحرب في جنوب لبنان أبعد كثيرًا من تبادل الضربات والخسائر العسكرية، إذ تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الحقول غير المحصودة إلى خلايا النحل المهجورة والأشجار المتضررة والعائلات النازحة، لتصبح معركة البقاء على الأرض جزءًا أساسيًا من معركة البقاء نفسها.