فاز عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان بعد سباق حاد، متجاوزاً هيلي ستيفنز المدعومة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، رغم إنفاق يقارب 30 مليون دولار لدعمها وحملة واسعة لإسقاطه.

 

ويكشف الفوز اتساع الهوة داخل الولايات المتحدة بين ناخبين يرفضون المال المنحاز لإسرائيل ومؤسسات ضغط تقاتل لحماية نفوذها، بينما تحولت غزة ومعاناة أطفالها إلى اختبار أخلاقي يلاحق المرشحين ويعيد ترتيب المزاج الانتخابي.

 

وجاء انتصار السيد في انتخابات تمهيدية وصفت بأنها من أكثر سباقات الحزب الديمقراطي تنافساً، بعدما حشدت شخصيات بارزة وممولون كبار دعماً لستيفنز، في محاولة لمنع مرشح تقدمي ينتقد الدعم الأمريكي المفتوح للحكومة الإسرائيلية من الوصول إلى نوفمبر.

 

وفي المقابل، تمكن السيد من بناء قاعدة تجمع تقدميين وشباباً وناخبين عرباً ومسلمين وقطاعات غاضبة من نفوذ الأموال الكبرى، مقدماً حملته باعتبارها مواجهة بين قوة الناخبين وقوة الممولين الذين يسعون إلى شراء التأثير داخل المؤسسات المنتخبة.

 

وبحسب النتائج المعلنة، حسم السيد بطاقة الحزب الديمقراطي بفارق ضيق، ما يؤكد أن المعركة لم تكن سهلة، وأن حجم الإنفاق المضاد كان قادراً على تضييق الفارق لكنه فشل في منع الناخبين من منحه فرصة الوصول إلى المواجهة العامة.

 

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فهاجم السيد قبل وبعد الانتخابات التمهيدية، مستخدماً لغة حادة ضده ومتهماً إياه بمواقف متطرفة، في خطاب رأى منتقدوه أنه يفتح الباب أمام استهداف المرشح على أساس هويته وموقفه من إسرائيل.

 

وفي قراءة مصرية للنتيجة، وصف أحمد عطوان اليوم بأنه استثنائي، رابطاً بين صعود السيد في الولايات المتحدة والحضور العالمي لمحمد صلاح، ومعتبراً أن المصريين وجدوا خلال ساعات قليلة اسمين من أصول مصرية في قلب الاهتمام الدولي.

 

 

 

هزيمة المال واللوبي

 

لكن القيمة الأبرز في فوز السيد لا تتعلق بأصله المصري وحده، بل بقدرته على كسر أفضلية مالية وإعلامية ضخمة، وإجبار المؤسسة الحزبية على التعامل مع خطاب ينتقد إسرائيل ويرفض تحويل أموال الضرائب الأمريكية إلى دعم عسكري مفتوح.

 

 

وأوضح أحمد اليحري أن السيد واجه بعد فوزه حملة تشويه استهدفت حتى استخدامه عبارة إن شاء الله، وهي عبارة عربية شائعة، معتبراً أن تضخيمها يعكس محاولة لتخويف بعض الناخبين من هويته أكثر من مناقشة برنامجه.

 

 

 

ومن جهة أخرى، تحدث السيد عن أثر فرص التعليم والرعاية الصحية التي حصل عليها في الولايات المتحدة على مسار حياته، داعياً إلى ضمان تكافؤ الفرص للأطفال، ومقدماً تجربته الشخصية باعتبارها دليلاً على أهمية الاستثمار العام في الإنسان.

 

 

 

ويرى ياسر أبو هلالة أن النتيجة تمثل ضربة قاسية لإيباك، لأن الإنفاق الكبير والحملات الإعلانية المكثفة لم تمنع هزيمة المرشحة المدعومة منها، معتبراً أن حرب غزة غيّرت نظرة قطاعات أمريكية واسعة إلى إسرائيل وروايتها.

 

كما أشار أبو هلالة إلى أن السيد رفض في مقابلة تلفزيونية الانجرار إلى صيغة سؤال حق إسرائيل في الوجود، وحوّل النقاش إلى حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين وإلى أولوية إنفاق أموال الضرائب داخل ميشيغان بدلاً من تمويل الحرب.

 

 

وبهذه المقاربة، حاول السيد نقل مركز النقاش من اختبار الولاء التقليدي لإسرائيل إلى سؤال المصلحة العامة الأمريكية، وهو تحول لافت في خطاب مرشح لمجلس الشيوخ داخل ولاية متأرجحة، ويضع جماعات الضغط أمام تحد أكبر من مجرد هزيمة انتخابية.

 

 

الهوية في مرمى الهجوم

 

كذلك يرى الصحفي مأمون فندي أن تجربة السيد تكشف حجم شبكات المال والضغط المحيطة بصناعة القرار في واشنطن، بينما يظل المرشح المسلم قادراً على دخول المنافسة عبر صندوق الاقتراع ومخاطبة الناخبين ببرنامج اجتماعي واقتصادي مباشر.

 

 

 

وفي السياق نفسه، اعتبر مراد علي أن ربط بعض الأصوات المحافظة بين السيد وجماعة الإخوان بسبب موقفه الرافض لجرائم إسرائيل محاولة لتخويف الجمهور، مشيراً إلى أن مواقف المرشح الاجتماعية لا تتطابق أصلاً مع خطاب الجماعات الإسلامية التقليدية.

 

 

 

أما تيسير البلبيسي فرأى أن الفوز أحدث صدمة لدى قطاعات من اليمين الأمريكي، متوقعاً تصاعد حملات الهجوم على السيد خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع انتقال السباق من منافسة داخل الحزب الديمقراطي إلى مواجهة مباشرة مع الجمهوريين.

 

 

 

وإلى جانب ذلك، فإن استخدام الدين أو الأصل العرقي في مهاجمة السيد قد يتحول إلى سلاح عكسي، لأن الناخبين الذين صوتوا له فعلوا ذلك بعد أسابيع من الإعلانات السلبية والاتهامات، ما يعني أن هذه الأساليب اختبرت بالفعل ولم تحسم النتيجة.

 

ومن الناحية الانتخابية، تنتظر السيد مواجهة أصعب في نوفمبر مع الجمهوري مايك روجرز، إذ تعد ميشيغان ولاية متأرجحة، ويمكن أن يؤثر السباق فيها على توازن مجلس الشيوخ، ما يضمن تدفق مزيد من الأموال والاهتمام الوطني إلى الولاية.

 

ومع ذلك، يمنح الفوز التمهيدي السيد زخماً لا يمكن تجاهله، لأنه أثبت قدرة حملته على الصمود أمام خصم مدعوم من قيادات حزبية وممولين كبار، كما قدم نموذجاً يمكن أن يشجع مرشحين آخرين على تحدي شبكات الضغط التقليدية.

 

 

معركة نوفمبر الأصعب

 

وعلى مستوى الخطاب، ركز السيد على التأمين الصحي والتعليم وتقليل نفوذ كبار الممولين، وربط هذه الملفات برفضه توجيه مليارات الدولارات إلى الخارج، في محاولة لجعل القضية الفلسطينية جزءاً من نقاش أمريكي داخلي حول الأولويات والعدالة الاقتصادية.

 

وفي المقابل، ستسعى حملة روجرز والجماعات المؤيدة لإسرائيل إلى تقديم السيد بوصفه مرشحاً متطرفاً أو غير مأمون، بينما سيحاول الديمقراطيون اختبار ما إذا كان خطابه التقدمي قادراً على اجتذاب المستقلين دون خسارة القاعدة التي أوصلته للترشيح.

 

وبقدر ما مثلت الانتخابات التمهيدية اختباراً لنفوذ إيباك داخل الحزب الديمقراطي، فإن انتخابات نوفمبر ستكون اختباراً أوسع لقدرة الناخبين على فصل النقاش حول إسرائيل عن حملات التخويف، والحكم على السيد من خلال برنامجه الداخلي ومواقفه العامة.

 

وفي النهاية، لا يعني الفوز أن معركة السيد حسمت، لكنه أسقط فرضية أن الإنفاق الهائل والدعم المؤسسي قادران دائماً على فرض المرشح المفضل، وأظهر أن المزاج الأمريكي تجاه غزة وإسرائيل لم يعد قابلاً للإدارة بالأدوات القديمة نفسها.

 

ومن ثم، فإن حملة السيد أمام اختبار مزدوج، يتمثل في الحفاظ على التحالف الذي صنع فوزه وتوسيع قاعدته نحو الناخبين المترددين، من دون التراجع عن الرسائل التي ميزته بشأن الرعاية الصحية والمال السياسي والحرب على غزة.

 

وعلى الجانب الآخر، سيبقى حجم تدخل جماعات الضغط تحت المجهر، خاصة بعد أن تحول السباق في ميشيغان إلى مثال واضح على أن الإنفاق بعشرات الملايين لا يضمن النتيجة عندما يصطدم بغضب شعبي من الحروب والنفوذ المالي.

 

وأخيراً، يضع صعود السيد سؤالاً أكبر أمام المؤسسة الأمريكية بشأن حدود نفوذ اللوبيات وقدرة مرشح ينتقد إسرائيل علناً على الوصول إلى مجلس الشيوخ، فيما ستحدد انتخابات نوفمبر ما إذا كان الانتصار بداية تحول أوسع أم استثناءً انتخابياً.