أثار نظام "الطيبات" الغذائي، الذي يقدمه الطبيب المصري ضياء العوضي، نقاشًا واسعًا بين المهتمين بالصحة والتغذية، بعدما اعتمد على تقسيم الأطعمة إلى قائمتين: أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة، انطلاقًا من فرضية أن كثيرًا من الأطعمة الشائعة تُرهق الجهاز الهضمي وتؤثر سلبًا على الأمعاء، ما قد يفتح الباب أمام مشكلات صحية متعددة.

 

ويضم النظام ضمن قائمة الممنوعات أطعمة اعتاد الناس اعتبارها من أساسيات الغذاء الصحي، مثل البيض والدجاج والخضراوات الورقية والخيار والشاي، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل: هل تدعم الدراسات العلمية هذه المزاعم؟ أم أن الأدلة المتاحة ترسم صورة مختلفة؟

 

البيض.. غذاء متكامل أم مصدر لمخاطر محتملة؟

 

يُعد البيض من أكثر الأغذية كثافة بالعناصر الغذائية، فهو غني بالبروتين عالي الجودة والفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية المفيدة، كما يحتوي على مركبات مهمة مثل الكولين والكاروتينويدات التي ترتبط بفوائد صحية متعددة تشمل دعم المناعة وبناء العضلات والمساعدة في التحكم بالوزن.

 

ورغم هذه الفوائد، ظل البيض محور جدل علمي طويل بسبب احتوائه على نسبة مرتفعة نسبيًا من الكوليسترول، إذ تحتوي البيضة المتوسطة على نحو 200 ملغم منه. كما أشارت بعض الدراسات إلى وجود ارتباطات محتملة بين الإفراط في تناوله وبعض الأمراض القلبية والاضطرابات الأيضية وأنواع معينة من السرطان.

 

ويعود جزء من هذا الجدل إلى احتواء البيض على مادة الكولين، التي تقوم بكتيريا الأمعاء بتحويلها إلى مركبات تنتهي بإنتاج مادة تعرف باسم (TMAO)، وهي مادة ارتبط ارتفاع مستوياتها بزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية. إلا أن الباحثين يؤكدون أن العلاقة ما تزال غير محسومة ولم يثبت حتى الآن وجود رابط سببي مباشر بين تناول البيض والإصابة بهذه الأمراض.

 

ماذا كشفت الدراسات الحديثة عن البيض؟

 

أظهرت بعض الدراسات نتائج متباينة بشأن تأثير البيض على الصحة. ففي تحليل تلوي صيني نُشر عام 2022، رُصد ارتباط بين ارتفاع استهلاك البيض وزيادة خطر الوفاة من مختلف الأسباب، خاصة لدى النساء وكبار السن. غير أن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تثبت علاقة سببية مباشرة، كما أنها تعاني من قيود منهجية عدة.

 

وفي ملف صحة الجهاز الهضمي، أشارت مراجعة علمية أسترالية واسعة إلى وجود ارتباط إحصائي بين استهلاك البيض وبعض أورام الجهاز الهضمي، خاصة سرطان القولون، لكن دون إثبات أن البيض هو السبب المباشر.

 

أما الدراسات الأحدث التي بحثت تأثير البيض على ميكروبيوم الأمعاء فقد جاءت نتائجها أكثر تحفظًا، إذ لم تجد أدلة واضحة على تأثير سلبي مباشر للبيض على البكتيريا النافعة في الأمعاء، فيما أظهرت بعض التجارب المحدودة تغيرات إيجابية في النشاط الأيضي للبكتيريا المعوية لدى المشاركين.

 

وبناء على ذلك، يرى الباحثون أن العلاقة بين البيض وصحة الجهاز الهضمي ما تزال مفتوحة للبحث، وأن التوصية الحالية تقتصر على الاعتدال في الاستهلاك دون وجود مبررات علمية قوية لمنعه بشكل كامل.

 

الدجاج.. بين فوائده الغذائية والتحذيرات البحثية

 

يُعد الدجاج أحد أكثر مصادر البروتين الحيواني استهلاكًا في العالم، وتوصي معظم الإرشادات الغذائية بإدراجه ضمن النظام الغذائي المتوازن عدة مرات أسبوعيًا.

 

ومع ذلك، ظهرت خلال السنوات الأخيرة دراسات حاولت استكشاف الآثار المحتملة للإفراط في استهلاك الدواجن، وهو ما يتقاطع جزئيًا مع موقف نظام "الطيبات" الذي يمنع تناولها بدعوى تأثيرها السلبي على الهضم.

 

وأظهرت دراسة إيطالية طويلة المدى نُشرت عام 2025 أن الأشخاص الذين تجاوز استهلاكهم للدواجن 300 غرام أسبوعيًا سجلوا معدلات وفاة أعلى مقارنة بمن يستهلكون كميات أقل. كما رصدت الدراسة زيادة في معدلات الوفاة المرتبطة بسرطانات الجهاز الهضمي لدى الفئة الأعلى استهلاكًا.

 

إلا أن الباحثين شددوا على أن نتائج الدراسة لا تكفي لإدانة الدجاج غذائيًا، نظرًا لعدم توفر معلومات دقيقة عن مصادر الدواجن أو طرق إعدادها أو طبيعة الأنظمة الغذائية للمشاركين.

 

الميكروبلاستيك والمضادات الحيوية.. مخاوف تحتاج إلى إثبات

 

ناقشت دراسات أخرى احتمالات انتقال الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) من الدواجن إلى الإنسان، نتيجة تعرض الطيور لها أثناء التربية والتغذية. كما حذرت أبحاث من تأثير الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية في مزارع الدواجن على التوازن البكتيري داخل الأمعاء.

 

كذلك رصدت بعض الدراسات وجود آثار لمعادن ثقيلة في لحوم الدجاج، إلا أن مستوياتها بقيت ضمن الحدود المقبولة صحيًا في معظم الحالات.

 

وعند مراجعة مئات الدراسات المنشورة حول الدواجن، خلص باحثون من جامعة بيردو الأمريكية إلى أن الأدلة الحالية لا تسمح بالحكم على الدجاج كغذاء صحي أو ضار بصورة مستقلة، بسبب نقص الدراسات المصممة خصيصًا لهذا الغرض.

 

الخضروات الورقية.. هل تستحق سمعتها الصحية؟

 

لطالما ارتبطت الخضروات الورقية الخضراء بالصحة الجيدة، نظرًا لغناها بالألياف والفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، كما توصي منظمة الصحة العالمية بالإكثار من تناولها ضمن الحصص اليومية من الخضار والفواكه.

 

ورغم ذلك، يضعها نظام "الطيبات" ضمن قائمة الممنوعات، الأمر الذي أثار استغراب عدد كبير من المختصين.

 

وأظهرت دراسات حديثة أن بعض أنواع الخضروات الورقية قد تحتوي على آثار من معادن ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والزرنيخ، خاصة في حال زراعتها في بيئات ملوثة. إلا أن الباحثين أكدوا أن استهلاكها بالكميات الطبيعية لم يرتبط بظهور آثار سامة لدى المشاركين في الدراسات.

 

في المقابل، كشفت أبحاث عديدة عن فوائد واضحة للخضروات الورقية، من بينها خفض الالتهابات وتقليل تلف الحمض النووي والمساهمة في الوقاية من سرطان القولون وتحسين الصحة العامة.

 

 

الخيار والشاي.. نتائج تعاكس ادعاءات المنع

 

أما الخيار، الذي يشتهر بغناه بالماء وانخفاض سعراته الحرارية، فقد أظهرت الدراسات المتاحة أنه قد يساعد على تحسين حركة الأمعاء والتخفيف من الإمساك عبر تعزيز انقباضات القولون وزيادة إفراز السوائل داخل الجهاز الهضمي.

 

كما أشارت أبحاث أخرى إلى أن مستخلصات بذور الخيار قد تمتلك تأثيرات مضادة للإسهال أيضًا، ما يشير إلى أن للخيار تأثيرات تنظيمية متعددة على الجهاز الهضمي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

 

وبالنسبة للشاي، فإن معظم الدراسات الحديثة لا تدعم فكرة أنه يسبب الإمساك، بل تشير إلى العكس. فقد أظهرت أبحاث مخبرية أن الشاي الأسود قد يساهم في تحسين حركة الأمعاء وتعزيز نمو البكتيريا النافعة داخل الجهاز الهضمي.

 

كما وجدت دراسة حديثة وجود ارتباط بين زيادة استهلاك الكافيين وانخفاض معدلات الإصابة بالإمساك، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع الادعاء بأن الشاي يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة.

 

 

الخلاصة.. ماذا يقول العلم؟

 

تكشف مراجعة الدراسات العلمية المتاحة أن معظم الأطعمة المدرجة ضمن قائمة الممنوعات في نظام "الطيبات" لا توجد أدلة قاطعة تثبت ضررها المباشر على الجهاز الهضمي لدى عموم الناس. وبينما تشير بعض الأبحاث إلى احتمالات أو ارتباطات تستحق المتابعة والدراسة، فإن غالبية الأدلة الحالية تدعم مبدأ الاعتدال والتوازن الغذائي بدلًا من المنع الكامل.

 

ويؤكد الباحثون أن كثيرًا من الأسئلة المتعلقة بالبيض والدجاج والخضراوات الورقية والخيار والشاي لا تزال بحاجة إلى دراسات سريرية أكبر وأطول زمنًا، قبل الوصول إلى أحكام علمية نهائية بشأن آثارها الصحية على الجهاز الهضمي والإنسان بشكل عام.