محمد حمدي

كاتب صحفي

 

لم يكن الانتشار الواسع لما يُعرف بـ"نظام الطيبات" مجرد ظاهرة صحية أو غذائية مثيرة للجدل، بل تحول إلى شهادة جديدة على فشل الدولة المصرية في أداء واحدة من أهم وظائفها الأساسية: بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها.

 

فبينما وقف أغلب الأطباء والمتخصصين وأهل العلم على الجانب الآخر، محذرين من بعض الأفكار والممارسات المرتبطة بهذا النظام، اختار ملايين المصريين أن يمنحوه ثقتهم وأن يبحثوا فيه عن حلول لمشكلاتهم الصحية والمعيشية. والسؤال هنا ليس: لماذا صدق الناس نظام الطيبات؟ بل لماذا لم يعودوا يصدقون الدولة؟

 

السلطة التي نجحت خلال السنوات الماضية في السيطرة على المجال العام، وإحكام قبضتها على الإعلام، وإقصاء الأصوات المستقلة، فشلت في تحقيق الهدف الأهم لأي نظام سياسي: اكتساب ثقة المواطنين. فالثقة لا تُصنع بالدعاية، ولا تُفرض بالقوانين، ولا تُشترى بالحملات الإعلامية؛ الثقة تُبنى بالإنجاز والمصداقية والشفافية، وهي أمور تآكلت بصورة واضحة في العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

عندما يجد المواطن نفسه محاصرًا بأزمات اقتصادية متتالية، وارتفاعًا مستمرًا في الأسعار، وتراجعًا في مستوى الخدمات العامة، ثم يسمع في المقابل خطابًا رسميًا يتحدث عن الإنجازات والنجاحات غير المسبوقة، فإن الفجوة بين الواقع والخطاب تصبح أكبر من أن تُردم. ومع مرور الوقت يبدأ المواطن في البحث عن بدائل خارج المؤسسات الرسمية، سواء كانت هذه البدائل صحيحة أو خاطئة.

 

لقد نجح نظام الطيبات في الوصول إلى الناس لأنه قدم لهم ما عجزت الدولة عن تقديمه: الأمل. وربما كان هذا الأمل قائمًا على أسس علمية محل جدل، لكن الحقيقة المؤلمة أن ملايين المواطنين رأوا فيه فرصة تستحق التجربة أكثر مما رأوا في المؤسسات الرسمية مصدرًا يستحق الثقة.

 

وإذا كان الإقبال الشعبي على هذا النظام قد أثار استغراب الأطباء والعلماء، فإن ما يجب أن يثير القلق الحقيقي هو أن هذا الإقبال يعكس انهيارًا متزايدًا في مكانة المؤسسات الرسمية لدى قطاعات واسعة من المواطنين. فالدولة التي لا يثق الناس في روايتها للأحداث، ولا في بياناتها الاقتصادية، ولا في أداء مؤسساتها الخدمية، لا يمكنها أن تتوقع أن يلتف الناس حول توصياتها الصحية أو العلمية.

 

الأخطر من ذلك أن هذا المشهد يكشف فشلًا ممتدًا في ملف الوعي والثقافة. فخلال سنوات طويلة جرى تهميش دور الثقافة الحقيقية، وإضعاف المؤسسات التنويرية، وتحويل الإعلام إلى منصات للتصفيق أكثر منه منصات للنقاش والمعرفة. والنتيجة الطبيعية كانت اتساع مساحة الجهل وانتشار الخطابات الشعبوية وظهور عشرات الأشخاص الذين يتحدثون في الطب والاقتصاد والسياسة والدين دون أي تأهيل حقيقي.

 

عندما يغيب العلماء الحقيقيون عن المشهد، أو يتم تهميشهم لصالح أصحاب الصوت الأعلى والقدرة الأكبر على الإثارة، يصبح المجتمع أرضًا خصبة لكل أنواع الأفكار غير المدروسة، وعندما تتخلى الدولة عن دورها في بناء العقل النقدي، فإنها تفتح الباب بنفسها أمام انتشار البدائل غير المؤسسية.

 

إن قصة نظام الطيبات ليست قصة نظام غذائي أو علاجي، بل قصة دولة فقدت جزءًا كبيرًا من رصيدها لدى المواطنين. إنها انعكاس لأزمة ثقة عميقة تتجاوز الصحة إلى السياسة والاقتصاد والإعلام والتعليم، وهي تذكير جديد بأن السيطرة على المجال العام لا تعني بالضرورة كسب ثقة الناس، وأن احتكار الخطاب لا يضمن تصديقه.

 

لقد تحول نجاح نظام الطيبات، بغض النظر عن تقييمه العلمي، إلى استفتاء غير معلن على أداء الدولة ومؤسساتها. وكانت النتيجة قاسية: ملايين المواطنين فضلوا تصديق شخص أو مشروع خارج المنظومة الرسمية على تصديق المؤسسات التي يفترض أنها تمتلك العلم والخبرة والسلطة. وتلك في حد ذاتها شهادة فشل سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها أو التهرب من دلالاتها.