في كتابه الصادر في عام 2025 بعنوان "عودة الطغيان: لماذا تظهر الثورات المضادة وتنجح؟"، يقيم كيليان كلارك الأستاذ المساعد في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، أسباب نجاح بعض الثورات في قلب مسارها.
ووصف كلارك في مقابلة مع بودكاست التحرير في ديسمبر 2025، مسار مصر من الثورة الشعبية عام 2011 إلى انقلاب عام 2013 الذي قاده عبدالفتاح السيسي، بأنه يمثّل "الحالة النموذجية" للثورة المضادة الناجحة.
الثورات المضادة
وقال كلارك: "إن الثورات المضادة ليست رد فعل حتميًا أو تلقائيًا على نجاح الثورة". فمن بين 123 ثورة ناجحة حول العالم منذ عام 1900 وحتى الآن، شهد نصفها محاولة ثورة مضادة، ولم يتم إخماد سوى 20% منها في نهاية المطاف. وتُعد الثورات الديمقراطية والسلمية، كالثورة المصرية، أكثر عرضة للثورات المضادة الناجحة، حيث تم إخماد ثلثها.
وفي الوقت ذاته، أشار كلارك إلى وجود ثلاث حالات فقط لثورات مسلحة تم الإطاحة بها، وقد انهارت جميعها بتدخل عسكري أجنبي.
أكد كلارك أن الثورات السلمية قد تواجه تحديات أكبر، لكنها ليست محكومًا عليها بالفشل بالضرورة. وقال: "هناك سبيل لهزيمة الثورة المضادة أمام جميع الحكومات الثورية، مهما بلغت قوة النظام القديم أو افتقرت الحكومة الثورية الجديدة إلى الموارد".
وتتمتع الثورات بطبيعتها بمستويات عالية من الدعم الشعبي، ولديها القدرة على حشد الجماهير، وهما ميزتان لا جدال فيهما يجب استغلالهما بالكامل، كما يقول. وأضاف: "يكمن سر نجاح أي حكومة ثورية في الحفاظ على هذه الميزة قدر الإمكان".
وقال كلارك إن جماعة الإخوان المسلمين، التي برزت كأقوى قوة في مصر ما بعد الثورة، ارتكبت خطأين فادحين أفقداها الدعم الشعبي. أولًا، نكثت الجماعة بوعدها بعدم السعي للحصول على أغلبية في البرلمان، ثم رشحت مرشحًا للرئاسة بعد أن تعهدت بعدم خوض الانتخابات.
وأشار إلى أن هذه الخطوات "أدت إلى انعدام ثقة كبير" وأحدثت انقسامات داخل الحركة الثورية، وهو ما استغله الجيش في نهاية المطاف، وفق ما أورد "تقرير واشنطن".
خلاف القوى الثورية مع الإخوان
بعد فوزه بالرئاسة عام 2012، قال كلارك إن الرئيس محمد مرسي بدأ في إصلاح الأوضاع وبناء علاقات طيبة من خلال التعهد بتشكيل حكومة شاملة. إلا أن إخفاقه في الوفاء بهذا الوعد أدى مجددًا إلى انقسامات داخل الحركة. وكان إعلانه الرئاسي في نوفمبر 2012، الذي منحه صلاحيات واسعة، بمثابة الشرارة التي قطعت العلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين والثوار ذوي التوجهات العلمانية.
وفي خضمّ انقسام القاعدة الثورية، سعى مرسي إلى توطيد سلطته المؤسسية. والأهم من ذلك، أنه حاول التوصل إلى تفاهم مع الجيش لضمان عدم تدخله ضد إدارته. وقال كلارك: "اعتمد فريقه بشكل أساسي استراتيجية منح الجيش كل ما يريده في محاولة لكسب ودّه وإبقائه بعيدًا"، وفق قوله.
لكن كلارك أكد أن محاولات مرسي استمالة الجيش وتسكين مؤسسات الدولة القديمة، بدلاً من التركيز على تنمية القوة الجماعية للشارع، "كانت خطأً فادحًا". وأضاف أن الثورات السلمية، عند تشكيل حكومة جديدة، لا تستطيع عادةً إدارة علاقاتها بشكل كافٍ مع جميع القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، وخاصةً تلك المتحالفة مع النظام المخلوع، ولذا يجب أن تجعل تعبئة القاعدة الثورية أولويتها القصوى. وشدد قائلاً: "إذا ما جرت محاولة لثورة مضادة، فلا بد من امتلاك القدرة على إعادة تعبئة قاعدة الثورة، والقدرة على العودة إلى الشارع والاحتجاج".
شركاء يناير يدعمون الانقلاب
وقال : لم يتمكن مرسي إطلاقًا من حشد القاعدة الثورية المصرية عندما بات واضحًا أنه يواجه خطر الإطاحة به. وفي الواقع، جاءت خطوة الجيش للاستيلاء على السلطة بدعم من كثيرين ممن شاركوا في ثورة 2011، إذ خاب أملهم تمامًا في حكومة مرسي.
وأشار كلارك إلى أن "العلمانيين في الائتلاف وهذه القوى الشعبية في المجتمع قرروا أنهم سيشعرون براحة أكبر مع العودة إلى الحكم العسكري". وأضاف: "عندما ننظر إلى العالم، نجد أن هذا أمر شائع، وهذا ما يحدث في كثير من الحالات الأخرى: إذ نجد حركة جماهيرية تدعم عودة الثورة المضادة، وغالبًا ما تتألف هذه الحركة الجماهيرية من أشخاص كانوا جزءًا من الثورة الأصلية ولكنهم شعروا بالاستياء".
وأوضح أن انقسام القاعدة الثورية في مصر إلى حد دعم بعض أعضائها لثورة مضادة يقدم نصيحة واضحة. وتابع: "الدرس الأهم هو أن تتذكر من هم أعداؤك الحقيقيون. لقد انشغلوا بخلافاتهم وعدائهم المتبادل".
https://www.wrmea.org/book-talks/egypt-and-the-success-of-counterrevolutions.html

