مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
على مدى عقد كامل، كانت الحكومة المصرية تخرج علينا نافية وعلى نحوٍ قاطع وجود مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أو التقدم بطلب للحصول على قرض جديد من تلك المؤسسة المالية الدولية وغيرها من المؤسسات الشقيقة مثل البنك الدولي وغيره، وبعد النفي بأيام أو أسابيع يجري الكشف عن وجود مفاوضات متقدمة بين الطرفَين بشأن قرض ضخم وبرنامج جديد، يصاحبه بعد الاتفاق على تفاصيله، تطبيق إجراءات تقشفية عنيفة بحق المواطن والعملة المحلية والأسواق والاقتصاد، السيناريو بات مكررًا وجرى على نحوٍ متشابه في الأعوام 2016 و2020 و2022، ويتكرر هذه الايام.
يوم 27 يونيو 2016 خرج علينا طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري وقتها قائلًا إنّ مصر لم تتقدم بطلب رسمي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، لكن بعدها بشهر واحد اعترف وزير المالية حينئذ، عمرو الجارحي، أن بلاده تتفاوض مع الصندوق لاقتراض 12 مليار دولار على مدار 3 سنوات وبواقع أربعة مليارات دولار سنويًا، وبالفعل جرى توقيع القرض الأضخم في تاريخ الدولة المصرية في شهر أكتوبر 2016 والذي صاحبه اضطرابات عنيفة في الأسواق المحلية بسبب تعويم العملة المصرية وخفض الدعم وزيادة أسعار السلع والخدمات وإعادة ملف بيع شركات القطاع العام للواجهة وإشعال نار التضخم.
وفي نهاية شهر يناير 2020 خرج علينا طارق عامر أيضًا قائلًا إنّ "صندوق النقد الدولي عرض تقديم تمويل جديد لمصر، لكنها رفضت لعدم احتياجها إلى التمويل. ولو كانت هناك حاجة للتمويل فسنذهب مباشرة للأسواق الدولية وطرح سندات وليس للصندوق". لكن تبيّن بعدها أن الحكومة طلبت بالفعل قرضًا جديدًا من الصندوق جرى الكشف عنه في منتصف العام 2020 بقيمة تقارب 8 مليارات دولار تحت اسم "اتفاق الاستعداد الائتماني" والاستفادة من "أداة التمويل السريع"، وقيل وقتها إنّ القرض ضرورة ملحة بهدف دعم الاقتصاد المصري لمواجهة تداعيات جائحة كورونا.
ومع قرب انتهاء برنامج التمويل الحالي في ديسمبر عام 2026، والذي حصلت الحكومة بموجبه على قرض بقيمة 8 مليارات دولار، إلى جانب قرض آخر بقيمة 1.3 مليار دولار ضمن ما يُعرف ببرنامج المرونة والاستدامة، خرجت علينا الحكومة المصرية مؤكدة عدم نيتها طلب قرض جديد من الصندوق فور انتهاء البرنامج الحالي، والاكتفاء بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية المتفق عليها، وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إنّ بلاده ليست بحاجة إلى الحصول على قرض جديد من الصندوق بعد انتهاء البرنامج الحالي في نهاية العام، وإنّ الظروف الحالية مستقرة بما يكفي للاستمرار في تنفيذ أجندة الإصلاح دون "الاحتياج إلى برنامج آخر في خلال الفترة القادمة".
لكن المؤشرات تقول في المقابل إنّ الحكومة ستتفاوض على قرض جديد مع الصندوق بقيمة قد تصل إلى 5 مليارات دولار وربما أكثر، وإنّ هناك مؤشرات قوية على أن الحكومة ماضية في التفاوض مع الصندوق بشأن القرض الجديد، يدعم هذا الاحتمال مؤشرات اقتصادية عدة، وتوقعات محللين بنك ستاندرد تشارترد البريطاني أن تلجأ مصر للحصول على قرض جديد لكن سيكون أقل من القرض القائم في حال تطور الأوضاع الجيوسياسية بمنطقة الشرق الأوسط.
وفي حال اقدام الحكومة على تلك الخطوة، فإن هذا يعني أنها أدمنت الحصول على تلك القروض الخارجية الضخمة بما تحمله من أعباء، ورهن الاقتصاد المصري والمواطن بإملاءات وشروط الدائنين الدوليين، وأنها ليست جادة في إجراء إصلاح حقيقي يقوم على زيادة الإنتاج، وتقوية قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وتنشيط إيرادات الدولة من النقد الأجنبي خاصة من قطاعات حيوية مثل الصادرات والسياحة والاستثمارات المباشرة، وتقليل المخاطر، وحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية، وردم هوّة الفجوة التمويلية، وعلاج الأزمات الهيكلية من عجز ضخم في الموازنة العامة والميزان التجاري، وتقليص فاتورة الطاقة والبالغ قيمتها 5.5 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري فقط.
كما تشي خطوة الاستمرار في الدخول في برامج جديدة مع صندوق النقد الدولي أن الحكومة ماضية كذلك في سياسة زيادة الضرائب والرسوم، ورفع أسعار السلع والخدمات الرئيسية باستمرار، بما فيها السلع التموينية والغذائية وفواتير الكهرباء والمياه ومشتقات الوقود من بنزين وسولار وغاز طبيعي، وبيع أصول الدولة من بنوك وشركات وأراضٍ، وخفض الدعم لسداد أعباء تلك الديون الضخمة البالغة نحو 163.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي.
قلت سابقًا إنّ صندوق النقد الدولي وقروضه وروشتاته وبرامجه السامة وشروطه المجحفة وإذلاله المصريين مستمر لسنوات طويلة مقبلة، وإنه ليس صحيحًا أنه بنهاية الحصول على القرض الحالي البالغ قيمته ثمانية مليارات دولار تكون علاقة مصر قد انقطعت بالصندوق للأبد، فهذا وهم يؤكده الواقع، وإنّ دائرة الاقتراض الخارجي لمصر تتسع يومًا بعد يوم، ومعها تزيد الأعباء المالية خاصة وأن العالم مقبل على موجة من زيادة أسعار الفائدة لكبح معدلات التضخم.

