وسعت شركات مياه الشرب والصرف الصحي في مصر الاعتماد على عداد المياه الكودي للوحدات والعقارات غير المقننة، باعتباره طريقا مؤقتا لتوصيل الخدمة، مع تحميل السكان تكلفة أعلى وضمان تحصيل الاستهلاك دون منح العقار شرعية قانونية.
ويحول هذا المسار أزمة البناء المخالف من مسؤولية رقابية وإدارية إلى عبء يومي على الساكن، لأن الحكومة تترك ملف التصالح معقدا، ثم تفرض على الأسر خدمة مشروطة لا تمنحهم حماية قانونية ولا دعما عادلا.
عداد مؤقت لا يمنح شرعية ولا يحمي من التصالح
في البداية، يقدم عداد المياه الكودي نفسه كحل إداري لتنظيم توصيل الخدمة، لكنه لا يسجل باسم المالك، بل يرتبط برقم كودي يجعل العقار داخل منظومة التحصيل لا داخل منظومة التقنين.
وبذلك لا يحصل صاحب الوحدة على سند قانوني جديد، ولا تتحول المخالفة إلى وضع مشروع، لأن العداد يظل إجراء مؤقتا إلى حين التصالح النهائي أو إزالة المخالفة وفق القواعد المنظمة.
ويظهر الخلل عندما تستخدم الحكومة العداد كوسيلة لتحصيل مقابل الاستهلاك، بينما تواصل ربط مصير العقار بملف التصالح، فيصبح المواطن دافعا لا مستفيدا من حماية قانونية واضحة.
في هذا السياق، تفيد قراءة الباحث العمراني يحيى شوكت لملف التصالح بأن ارتفاع كلفة التقنين مثل عقبة مركزية أمام أصحاب العقارات، لأن الغرامات قد تتحول إلى عبء كبير قياسا بقيمة المسكن.
وتخدم هذه القراءة محور العداد الكودي، لأن الحكومة لا تعالج سبب المخالفة ولا عجز السكان عن استكمال التقنين، بل تضيف مسارا جديدا يدفع فيه الساكن تكلفة الخدمة دون ضمان نهائي.
ومن ثم يصبح العداد الكودي بابا خلفيا لإدارة الأزمة لا حلها، إذ يحد من التوصيلات العشوائية، لكنه لا ينهي حالة القلق القانوني التي يعيشها آلاف السكان داخل عقارات غير مقننة.
كارت مسبق الدفع بتكلفة تركيب وفاتورة أعلى من الدعم
تبدأ إجراءات تركيب عداد المياه الكودي بتقديم طلب إلى شركة المياه المختصة، سواء من مركز خدمة العملاء أو عبر الوسائل الإلكترونية المتاحة، ثم تحدد الشركة موعدا للمعاينة الفنية للعقار.
وبعد ذلك تفحص المعاينة طبيعة المبنى، والمسافة بينه وبين خط المياه الرئيسي، واحتياجات التوصيل، سواء تعلقت الحالة بوحدة واحدة أو بعقار كامل يحتاج وصلة رئيسية وتقسيما داخليا.
وتشترط شركات المياه عادة بطاقة رقم قومي سارية، وعقد ملكية أو إيجار، وإيصال ممارسة أو محضر مخالفة، إلى جانب سداد رسوم المعاينة، قبل إعلان التكلفة النهائية بعد الفحص الفني.
أما التكلفة التقريبية فتبدأ للوحدة السكنية من نحو 2000 جنيه وقد تصل إلى 3500 جنيه، بينما تتراوح تكلفة العداد الفرعي داخل العقارات متعددة الوحدات بين 1200 و1800 جنيه تقريبا.
ولا تتوقف الكلفة عند التركيب، لأن العداد يعمل بنظام الكارت مسبق الدفع، بما ينقل عبء المتابعة والشحن إلى المشترك، ويجعل الخدمة مرتبطة برصيد متاح لا بفاتورة لاحقة.
وفوق ذلك لا يخضع العداد الكودي لنظام الشرائح المدعومة المطبقة على العدادات التقليدية، إذ تتم محاسبة الاستهلاك بسعر موحد أعلى منذ أول متر مكعب، وقد يصل إلى نحو 10 جنيهات.
وهنا تفيد أطروحات الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في تفسير أثر الرسوم ورفع أسعار الخدمات على الفقراء، لأنه يربط هذه السياسات بتوسيع أعباء المعيشة على الطبقات الضعيفة والمتوسطة.
وبهذا المعنى، لا يصبح عداد المياه الكودي مجرد أداة قياس، بل يتحول إلى قناة لتحصيل سعر أعلى من ساكن يعيش غالبا في عقار غير مكتمل الوضع القانوني بسبب تعقيدات إدارية ومالية.
التصالح المتعثر يترك الساكن بين المخالفة وغلاء الخدمة
تؤكد القواعد المنظمة أن العداد الكودي لا يعفي صاحب العقار من التصالح، ولا يمنع إجراءات الإزالة أو المحاسبة القانونية، لأن الهدف المعلن منه ضبط الخدمة وتقليل التعديات على الشبكات.
غير أن ربط الخدمة المؤقتة بملف التصالح يصنع دائرة مغلقة، فالمواطن يحتاج المياه للسكن الآدمي، ويحتاج التصالح لتقنين وضعه، ثم يصطدم برسوم ومستندات وإجراءات تمتد طويلا.
وفي الحالات التي تضم أكثر من وحدة، يتوزع عبء مقايسة التوصيل على السكان، لكن هذا التقسيم لا يغير حقيقة أن العقار كله يظل معلقا بين دفع ثمن الخدمة وانتظار قرار التقنين.
كما يدفع غياب الشرعية النهائية بعض السكان إلى قبول العداد الكودي رغم كلفته، لأن البديل قد يكون توصيلات عشوائية تعرضهم لمحاضر تعدي، أو بقاء الوحدة بلا مياه صالحة للاستخدام اليومي.
ويضيف خبير العمران ديفيد سيمز بعدا مهما لهذا الملف، إذ يشير في دراساته عن القاهرة إلى اتساع السكن غير الرسمي، بما يجعل تجاهل الواقع العمراني القائم سببا مباشرا لتفاقم الأزمة.
وتعني هذه الخلاصة أن الحكومة تواجه كتلة عمرانية واجتماعية كبيرة بسياسة تحصيل لا بسياسة تقنين عادلة، فتتعامل مع السكان كملف مالي لا كأسر تحتاج مرافق أساسية وتسوية قانونية ممكنة.
لذلك تبدو أزمة عداد المياه الكودي أكبر من كارت شحن أو مقايسة فنية، لأنها تكشف طريقة إدارة مرافق أساسية بمنطق العقوبة المالية، بدلا من إنهاء التصالح وتحديد مسؤولية المخالف الحقيقي.
وفي النهاية، يحتاج الملف إلى وقف تحميل الساكن وحده ثمن الفوضى، وتبسيط إجراءات التصالح، وإعلان تكلفة واضحة وموحدة، وربط أي محاسبة أعلى بجدول انتقالي عادل لا بعقوبة مفتوحة.

