كذب الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، إعلان وزارة الصناعة ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي استهداف صادرات مصرية بقيمة 100 مليار دولار بحلول عام 2030 ، مؤكدا أن هذا يمثل هدفًا صعبًا، لأن الصادرات الصناعية الحالية لا تصل إلى 30 مليار دولار.

 

ويضع تصريح عبد الخالق الحكومة أمام فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والقدرة الإنتاجية، لأن الدولة ترفع شعار التصدير بينما تبيع قطاعات إنتاجية، وتواجه اقتصادًا عالميًا مضطربًا، وتفتقد أدوات واضحة لمضاعفة الصادرات 4 مرات خلال 5 سنوات فقط.

 

رقم حكومي كبير بلا إجابة عن القطاعات

 

أكد جودة عبد الخالق في تصريحاته أن مفاهيم الاقتصاد تفرض قراءة الصادرات باعتبارها جزءًا من الناتج المحلي والاستهلاك العام والخاص، لا رقمًا منفصلًا يصلح للاستخدام الدعائي في مؤتمرات الحكومة.

 

وبحسب عبد الخالق، فإن استهداف 100 مليار دولار يطرح سؤالًا مباشرًا عن القطاعات التي ستقود هذه الزيادة، خصوصًا أن آخر البيانات المتاحة عن الصادرات المصرية لا تصل إلى نصف الرقم المعلن.

 

وتأتي تصريحاته ردًا على ما أعلنته وزارة الصناعة بشأن تطلعها إلى رفع صادرات مصر الصناعية إلى 100 مليار دولار عام 2030، وما سبقه من حديث مدبولي عن الهدف نفسه باعتباره مسارًا حكوميًا.

 

كما قال عبد الخالق إن الصادرات الصناعية الحالية لا تصل إلى 30 مليار دولار، وهو ما يجعل الرقم المعلن صعبًا منطقياً، لأن الوصول إليه خلال 5 سنوات يعني مضاعفة الصادرات بمعدل يقترب من 4 أضعاف.

ومن هنا، يخدم رأي عبد الخالق محورًا تحريرياً واضحًا، فهو لا يرفض التصدير كهدف، بل يكشف أن الحكومة تعلن الرقم قبل أن تشرح طريق الوصول إليه، ولا تعرض قاعدة إنتاجية تناسب هذا الطموح.

 

وفي الخلفية، قال وزير الصناعة خالد هاشم إن الوزارة حدثت استراتيجية النهوض بالصناعة المصرية وزيادة صادرات مصر الصناعية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030، خلال جلسة حوارية في ريجا عاصمة لاتفيا.

 

وجاءت الجلسة بعنوان تجربة مصر في زيادة الإنتاجية وتعميق التصنيع المحلي، بمشاركة نجلاء نجيب سفيرة مصر في السويد ولاتفيا، نيابة عن بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج.

 

وشارك في الجلسة أيضًا مارك ديفيس المدير الإداري لمنطقة جنوب وشرق المتوسط ورئيس عمليات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في مصر، ووليد حسونة الرئيس التنفيذي لشركة فاليو للتمويل الاستهلاكي، ودانيال كالديرون من ألكازار إنرجي بارتنرز.

 

صادرات لا تكبر بالتخفيض وحده

 

ربط جودة عبد الخالق صعوبة الوصول إلى 100 مليار دولار بمحدودية الأدوات المتاحة أمام الحكومة، وسأل ضمنيًا هل ستلجأ الدولة إلى تخفيض جديد للجنيه، قبل أن يؤكد أن هذا الخيار يبدو صعبًا.

 

ويفتح هذا السؤال ملفًا خطيرًا، لأن الحكومة اعتمدت خلال السنوات الماضية على تخفيض العملة باعتباره مدخلًا لتحسين التنافسية، بينما أظهر الواقع أن ضعف الجنيه رفع تكلفة المدخلات المستوردة وأضعف قدرة المصانع.

 

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور مدحت نافع، أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي، أن أثر انخفاض الجنيه على الصادرات يتوقف على حجم المكون الأجنبي داخل المنتج، لأن زيادة تكلفة المدخلات تلتهم ميزة السعر.

 

وتخدم رؤية نافع هذا المحور لأنها تفند الوصفة السهلة التي تسوقها الحكومة، فالصادرات لا تزيد تلقائيًا مع هبوط العملة إذا كانت المصانع تستورد مواد خام ومكونات وسيطة بأسعار أعلى من الخارج.

 

لذلك يصبح تعميق التصنيع المحلي شرطًا سابقًا على الوعود الكبيرة، وليس جملة مرافقة لها في المؤتمرات، لأن زيادة المكون المحلي تخفض أثر الدولار على تكلفة الإنتاج وتمنح المنتج المصري قدرة تنافسية حقيقية.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن استراتيجية صناعية جديدة، تكشف بيانات التجارة الخارجية أن الصادرات المصرية غير البترولية سجلت نحو 44.392 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، مقابل 37.544 مليار دولار في الفترة نفسها من 2024.

 

ورغم ارتفاع الصادرات بنسبة 18%، فإن الفجوة مع 100 مليار دولار لا تزال واسعة، لأن الرقم الحكومي يحتاج إلى قفزة ضخمة في الإنتاج والأسواق والجودة، لا إلى تحسين تدريجي في مؤشرات سنة واحدة.

 

كما سجلت الواردات خلال الفترة نفسها نحو 74.738 مليار دولار، مقابل 71.965 مليار دولار في 2024، بما أبقى العجز التجاري عند 30.346 مليار دولار رغم انخفاضه بنسبة 12%.

 

وتظهر هذه الأرقام أن الأزمة ليست في حجم الصادرات وحده، بل في بنية الاقتصاد الذي يستورد أكثر مما يبيع، ثم يعلن أهدافًا ضخمة من دون معالجة عجز الصناعة عن الإحلال والتصنيع والتوسع.

 

بيع الإنتاج لا يصنع 100 مليار دولار

 

حذر جودة عبد الخالق من ارتباط هدف التصدير بالاستثمار، مشيرًا إلى أن الدولة تبيع القطاعات الإنتاجية الصناعية في وقت تحتاج فيه إلى توسيع الطاقة الإنتاجية، لا التخلص من أدواتها تحت ضغط الأزمة.

 

وتمنح هذه النقطة التقرير زاويته الأشد على الحكومة، لأن دولة تبيع الأصول الإنتاجية لا تستطيع إقناع الناس بأنها تبني قاعدة تصديرية كبرى، خصوصًا مع اضطراب الاقتصاد العالمي وتراجع توقعات النمو.

 

وفي هذا الإطار، يرى الباحث يزيد صايغ أن اتساع دور المؤسسة العسكرية والكيانات المرتبطة بالدولة في الاقتصاد المصري أعاد تشكيل الأسواق والسياسات الاستثمارية، وخلق لاعبًا قادرًا على التأثير في المنافسة والقرار الاقتصادي.

 

وتخدم قراءة صايغ هذا المحور لأنها تفسر سبب عجز القطاع الخاص عن قيادة طفرة تصديرية، فالمستثمر لا يدخل بقوة في سوق تهيمن عليه الدولة وكياناتها، ولا ينافس بثقة في بيئة غير متكافئة.

 

كما كتب الباحث الاقتصادي تيموثي قلدس عن التداخل بين الشركات الخاصة ظاهريًا والكيانات المرتبطة بالنظام، وهو تداخل يربك المنافسة ويجعل الحديث عن قطاع خاص قائد للتصدير أقرب إلى شعار منه إلى واقع.

 

وبناء على ذلك، لا تنفصل أزمة 100 مليار دولار عن سؤال الملكية والشفافية، لأن التصدير يحتاج مصانع مستقرة، وتمويلًا واضحًا، وقواعد منافسة عادلة، وسعر طاقة قابلًا للتوقع، وسياسة ضريبية لا تتغير تحت الضغط.

 

ومع أن وزير الصناعة تحدث عن تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ووضع خريطة صناعية واضحة، وتطوير المنتج، وتطبيق معايير القياس والجودة، فإن هذه العناوين تبقى ناقصة إذا استمرت الدولة في مزاحمة المنتجين.

 

وفي الخلاصة، يفضح تصريح جودة عبد الخالق جوهر الأزمة، فالحكومة تطلب من المصريين تصديق رقم 100 مليار دولار، بينما لا تقدم إجابة عن القطاعات، ولا عن الاستثمار، ولا عن أثر بيع الإنتاج.

 

ولا تحتاج مصر إلى رقم ضخم يضاف إلى خطابات مدبولي ووزارة الصناعة، بل تحتاج إلى سياسة إنتاج حقيقية تبدأ من المصنع والمكون المحلي والقطاع الخاص، قبل أن تتحول الصادرات إلى وعد جديد بلا رصيد.